بدأتْ حكايتُنا حديثًا عابرًا،
ما كان في حسباننا أن يُزهِرَا،
وتسلَّلتْ بين الكلامِ مودَّةٌ،
حتى غدا صمتُ المساءِ مُعبِّرَا.
وتحدَّثنا في كلِّ شيءٍ،
ما كان يعني، وما لا يعني،
فغدتْ أحاديثُنا البسيطةُ
أجملَ ما في يومِنا،
وأصدقَ ما أخفاهُ قلبانا معًا.
ومضتْ بنا الأيامُ دونَ مواعِدٍ،
والقلبُ يسبقُ ما نريدُ ويُعلِنُ،
في نبرةِ الصوتِ الحنونِ حكايةٌ،
والعينُ تبوحُ بما اللسانُ يُخبِّئُ.
ورأيتُ في وجهِكِ ارتباكَ محبَّةٍ،
ورأيتُ في لهفِ الحديثِ تودُّدَا،
فحسبتُ أنَّ القلبَ حينَ تقاربتْ
نبضاتُهُ، سيقولُ ما قد أضمَرَا.
حتى إذا لاحتْ لنا لحظةُ الهوى،
وتقدَّمَ الحلمُ الجميلُ إلى المدى،
خفتِ الطريقَ، وخفتِ عيونًا حولنا،
وعُدتِ تختارينَ الصداقةَ مَخرَجَا.
قلتِ: «الصداقةُ»، فاستمعتُ لقولِكِ،
والقلبُ يعرفُ ما أرادَ وما جَنَى،
ما قلتُ: كيفَ؟ ولم أُحمِّلْكِ العتابَ،
فالحبُّ لا يُبنى على قلبٍ أُكرِهَا.
أنا لم أُحبَّكِ كي أضيِّقَ عالمًا،
أو كي أُحمِّلَكِ المخاوفَ والعناءَ،
ما كنتُ أرجو غيرَ عيشٍ آمنٍ،
تأتينَ فيهِ بإرادةٍ، لا بالإكراهِ.
أنتِ التي تعرفينَ أنَّ مودَّتي
ليستْ حديثًا عابرًا أو مُعلَنَا،
وأنَّني حينَ أُعبِّرُ عن هوايَ،
فكلامي وعدٌ وموعدٌ،
لا نزوةٌ تمضي، ولا حلمٌ يضيعُ،
بل رغبةٌ في أن يكونَ لنا غدٌ
إن شاءَ قلبُكِ أن نخطوَهُ معًا.
لكنَّ للقدرِ الذي نرجوهُ نافذةً،
وللمجتمعِ بابًا يُضيِّقُ مَخرَجَا،
ولربَّ قلبٍ لا يخافُ محبَّةً،
لكنَّهُ يخشى العيونَ وما جَنَى.
ومضتِ الأيامُ، لا صوتٌ أتى،
والشوقُ في صدري يستعيدُ ما انطوى،
حتى رأيتُ حديثَكِ عن النصيبِ،
فكتبتُ، لا لأستعيدَكِ بالقلمْ،
لكنَّ بعضَ الحكاياتِ الجميلةِ
يبقى لها في القلبِ شيءٌ لم يُقَلْ.
فدعوتِ لي بالخيرِ، يا دفءَ الدعاءِ،
أن يمنحَ الرحمنُ قلبي ما رجا،
فابتسمَ القلبُ الذي لم ينسَكِ،
ومضى يُخبِّئُ في الدعاءِ مودَّةً،
لا عتبَ فيها، لا سؤالَ، ولا ادِّعاءَ.
وتتوالى الأيامُ، ويحملُ كلُّ يومٍ
أمنيةً جديدةً، ودعاءً لا يغيبُ،
وتأتي الذكرياتُ بلا استئذانٍ،
فتنهضُ في فؤادي أمنياتٌ
لا تريدُ سوى أن تطيبَ.
لا وردةٌ تُخفي سؤالًا حائرًا،
لا هديةٌ تستجدي قلبًا أو جوابْ،
بل أمنياتٌ صادقاتٌ بالهنا،
ودعوةٌ أن يكتبَ الرحمنُ لكِ
خيرًا، وأن يحمي خطاكِ من العذابْ.
فإذا التقينا، فالمودَّةُ بيننا،
وإذا افترقنا، فليسَ في القلبِ جفاءْ،
ما كان حبِّي أن أُقيِّدَ روحَكِ،
بل أن أراكِ، وإن تعذَّرَ، في صفاءْ.
فالحبُّ ليسَ بأن أُحاصِرَ قلبَكِ،
أو أن أُحوِّلَ خوفَكِ قيدًا ومَفزَعَا،
الحبُّ أن أتركَ لكِ حريَّةَ المدى،
وأظلَّ رغمَ الشوقِ وفيًّا مُتَّزِنَا.
وإذا عزَّ اللقاءُ، فليسَ كلُّ محبَّةٍ
كُتِبَتْ لتجمعَ عاشقينِ على المدى،
بعضُ الحكاياتِ الجميلةِ لا تنتهي
بوصالِ قلبينِ، ولا تمحوها المسافاتُ،
لكنَّها تتركُ فينا أثرًا طيِّبًا،
وتعلِّمُ القلبَ كيف يحبُّ دون أذى.
فقد يكونُ الحبُّ وعدًا لا يُقالُ،
وقد يكونُ انتظارًا لا يُرى،
وقد يكونُ حكايةَ قدرٍ
لم يمنحِ القلبينِ كلَّ ما تمنَّياهُ،
لكنَّهُ أبقى في القلبِ ذكرى
لإنسانٍ أحبَّ بصدقٍ،
ولم يُرِدْ يومًا أن يُوجِعَ قلبًا أحبَّهُ.
نضال احمد جابر جودة
