📁آخر الأخبار

على ساقٍ واحدة.. يحمل حياةً كاملة.. بقلم د. سهى شعت


هذا الصباح، وأنا في طريقي إلى عملي في مستشفى ناصر الطبي، في قسم الأورام، استوقفني مشهدٌ لم أستطع تجاوزه بسهولة.

شابٌ مبتورة ساقه، يستند إلى عكازين، ويحمل فوق كتفيه ما استطاع حمله؛ أربع ربطات من الخبز، وأكياسًا من الخضرة، وبعض الأغراض التي تبدو بسيطة في أعيننا، لكنها في غزة ليست بسيطة أبدًا.

كان يجرّ نفسه جرًّا، خطوةً بعد خطوة، وكأن الطريق أثقل من أن تحمله ساقٌ واحدة.

ظللت أنظر إليه، وشعرت فجأة أنني لم أعد أرى مجرد شابٍ في الطريق، بل رأيت صورةً تختصر شيئًا من حياتنا في غزة.

فكرت: إذا كانت الحياة قد أصبحت شاقة إلى هذا الحد لمن يمشي على ساقين، فكيف تكون لمن يمشي على ساقٍ واحدة؟

كيف يشتري حاجاته؟ كيف يحمل خبزه؟ كيف يقطع المسافات؟ كيف يزاحم الحشود أمام عربات المياه؟ كيف يركض حين يأتي طلب الإخلاء؟ وكيف يقف طويلًا في طوابير التكيات؟

نحن في غزة لم تعد معاناتنا تُقاس فقط بما فقدناه من بيوت وأمان وأحبة، بل أصبحت تُقاس أيضًا بتفاصيل صغيرة جدًا؛ برغيف خبز نحمله، وكيس خضرة نجرّه، وطريق نقطعها، ونار نوقدها، ومشوار عادي أصبح يحتاج إلى طاقة ليست عادية.

لكن أكثر ما أوجعني أن هذا الشاب لم يكن يحمل حاجاته فقط، بل كان يحمل حياته على عكازين.

وربما كان يحمل فوقهما وجعًا لا نراه، وذاكرةً لا نعرفها، وحربًا تركت في جسده ما لن يشفى بسهولة.

ومن هنا، فإننا نناشد كافة المؤسسات المعنية أن تقف عند مسؤولياتها تجاه شريحة الجرحى، وخاصة المبتورين، وأن تعمل على توفير احتياجاتهم الأساسية، من الأطراف الصناعية والعكازات والكراسي المتحركة، إلى التأهيل والرعاية النفسية والاجتماعية، وتسهيل حركتهم ووصولهم إلى أماكن العمل والخدمات.

فهذه ليست شريحة تحتاج إلى الشفقة، بل شريحة تحتاج إلى حقوقها كاملة؛ إنها شريحة تقطعت حبال الحياة في العمل والعيش الكريم بسبب إصاباتها، ولا يجوز أن نترك أصحابها يواجهون واقعهم وحدهم.

إن إعادة تأهيل مبتوري الأطراف ليست ترفًا، وليست ملفًا يمكن تأجيله؛ إنها جزء من معركة البقاء نفسها. فمن فقد ساقًا لم يفقد حقه في الحركة، ومن فقد ذراعًا لم يفقد حقه في العمل، ومن أصيب في جسده لم يفقد حقه في أن يعيش حياةً كريمة.

نحن بحاجة إلى جهدٍ حقيقي ومنظم يعيد لهذه الفئة شيئًا من استقلالها، ويمنحها فرصة أن تتحرك وتعمل وتعيش دون أن تتحول الإصابة إلى حكمٍ دائم بالعجز.

لقد رأيت ذلك الشاب يمضي على ساقٍ واحدة، يحمل الخبز والخضرة، ويقاوم الطريق بصمت. وربما لم يكن يعلم أن مشهده ترك في القلب سؤالًا أكبر من الحكاية نفسها: كم من أمثاله يمشون اليوم في غزة على ساقٍ واحدة، أو ذراعٍ واحدة، ويحاولون أن يعيشوا حياةً طبيعية في واقع لم يعد طبيعيًا؟

يا من تقع على عاتقكم مسؤولية خدمة الجرحى، لا تجعلوا مبتوري غزة يمشون وحدهم في هذه الطريق.

فقد يستطيع الإنسان أن يتعلم المشي على ساقٍ واحدة، لكنه لا يستطيع أن يبني حياةً كاملة إذا تركناه يواجه الطريق وحده.

غزة قاسية على من يملك ساقين، فما بالكم بمن فقد إحداهما؟

ذلك الشاب لم يكن يحمل أربع ربطات من الخبز وأكياس الخضرة فقط؛ كان يحمل رسالةً صامتة إلى الجميع: أنا أريد أن أعيش بكرامة… فلا تتركوني وحدي.
تعليقات