📁آخر الأخبار

أطباء بلا حدود.. الإسعاف النفسي الأولي لمخيمات النزوح في غزة


بقلم: شريف الهركلي

في غزة، حيث تتواصل الحرب وآثارها القاسية على الإنسان، لم تعد الجراح التي تحتاج إلى علاج هي تلك التي تُرى بالعين فقط؛ فهناك جراح نفسية خلّفتها مشاهد القصف والتهجير والفقد والخوف، وتحتاج إلى رعاية واهتمام.

في هذا السياق، عقدت منظمة أطباء بلا حدود ورشة بعنوان «الإسعاف النفسي الأولي»، في عيادة أطباء بلا حدود الإسبانية على شاطئ بحر المواصي في خان يونس، ونفذها طاقم قسم الصحة النفسية والتثقيف الصحي، بمشاركة إبراهيم حمام ومروة أبو النور ومريم وشاح.

استهدفت الورشة مشاركين من مخيمات النزوح، بهدف تزويدهم بالمعرفة الأساسية في مجال الصحة النفسية، ليكونوا حلقة وصل بين أطباء بلا حدود والمخيمات؛ في اتجاه أول نقل الرسائل الطبية والإنسانية والتوعوية، وفي الاتجاه الآخر نقل معاناة الإنسان الفلسطيني واحتياجاته ومقترحاته إلى المنظمة.

بدأت الورشة بحلقة تعارف بين المشاركين أدارتها الأخصائية مريم وشاح، تلاها التعريف بأقسام أطباء بلا حدود وطبيعة عملها الطبي والإنساني.

وقدمت الأخصائية مروة أبو النور الإرشاد والتثقيف النفسي، وكان لحضورها المهني والإنساني أثر واضح في توفير أجواء من الأمان والانتباه والتفاعل لدى المشاركين.

وتناولت الورشة العلاقة بين الصحة الجسدية والنفسية، وأهمية الصحة المجتمعية، وكيف يمكن للإنسان أن يتأثر نفسيًا بالأحداث الصادمة، خصوصًا القصف والتهجير والتعرض المباشر أو غير المباشر للخطر.

وفي الأزمات، يحتاج الإنسان أولًا إلى الشعور بالأمان والطمأنينة وتلبية احتياجاته الأساسية، إلى جانب الاستماع إليه ومساندته، ثم مساعدته على الوصول إلى المختصين عندما تتطلب حالته ذلك. فكما يحتاج الجسد إلى رعاية عاجلة عند الإصابة، تحتاج النفس أيضًا إلى احتواء ودعم في لحظات الصدمة.

كما ناقشت الورشة الخوف المجتمعي من اللجوء إلى المرشد النفسي، وتصحيح الاعتقاد الخاطئ بأن من يطلب المساعدة النفسية هو «مجنون». فطلب الدعم ليس ضعفًا ولا عيبًا، بل سلوك صحي وواعٍ.

وأكدت الورشة أهمية الصدق والسرية والثقة بين المختص والشخص الذي يطلب المساعدة، لأن الوعود غير القابلة للوفاء قد تؤدي إلى خيبة أمل وتهز جسور الثقة.

وانقسمت الورشة إلى مجموعتين، للشباب والنساء، بهدف تمكين المشاركين من نقل رسائل التوعية إلى أبناء مخيماتهم، كلٌّ في محيطه.

وكان الأستاذ أحمد حسن النجار، مسؤول إدارة مخيمات «فش فرش» في مواصي خان يونس، قد رشّح أسماء المشاركين للاستفادة من الورشة، معربًا عن امتنانه لهذا البرنامج الذي يلامس هموم الناس واحتياجاتهم.

ومن الورشة إلى خطوة أوسع، أتوجه بالشكر إلى منظمة أطباء بلا حدود وطاقمها على جهودهم الإنسانية والطبية واهتمامهم بملامسة هموم النازحين.

وأقترح أن تتبنى إدارة أطباء بلا حدود دورة متخصصة للشباب من حملة الشهادات العلمية في مجالات التثقيف الصحي والنفسي، وفق برنامج تدريبي منظم يجمع بين الجانب الأكاديمي والتطبيقي، ويؤهل كوادر قادرة على العمل داخل مخيمات النزوح، لتكون همزة وصل مؤهلة بين المنظمة والمجتمع.

إن الاستثمار في الشباب المتعلم وتزويده بالمعرفة الصحية والنفسية هو استثمار في المجتمع نفسه، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها غزة.

ونأمل أن تكون هذه الورشة بداية لبرنامج مستدام، تتوسع من خلاله دائرة التوعية والدعم النفسي، لتصل إلى أكبر عدد ممكن من النازحين.

فغزة لا تحتاج إلى تضميد جراح الجسد فقط، بل تحتاج أيضًا إلى من يسمع وجع الروح.
تعليقات