📁آخر الأخبار

من حماية الملكية إلى حماية الوجود.. م. تيسير محيسن




الحملة الشعبية الالكترونية لتجريم تسريب وبيع أرض فلسطينية لدولة معادية

((الأرض الفلسطينية ليست للبيع ))

طوال قرن لم ينظر إلى الأرض الفلسطينية بوصفها مجرد ملكية خاصة، ولا باعتبارها قطعة عقارية يمكن أن تنتقل من يد إلى أخرى بعقد بيع؛ لقد شكلت عصب المشروع الوطني. فالأرض هي المكان الذي نشأت عليه الحكاية الفلسطينية، وتشكلت الهوية، ومنها يستمد شعبنا حقه في الوجود وتقرير المصير. كانت الأرض، منذ البداية، في قلب الصراع مع المشروع الصهيوني، الذي لم يتوقف عن محاولات الاستيلاء عليها، وتغيير طابعها، وتفريغها من أصحابها.

من هنا تأتي أهمية الحملة الشعبية ضد تسريب الأراضي الفلسطينية. إنها ليست معركة هامشية مع بعض السماسرة أو ضعاف النفوس، بل دفاع عن خط من خطوط البقاء الوطني. فالمادة الموثقة حول عمليات التسريب تكشف أساليب تتجاوز البيع المباشر إلى التزوير، واستغلال الوكالات، وإغراء أصحاب الأراضي بالمال، واستغلال حاجات الورثة وبعدهم عن أراضيهم، واستخدام وسطاء فلسطينيين لتسهيل صفقات تخدم الاستيطان.

وبعد ثلاثة أعوام على حرب الإبادة، لم يعد من الممكن النظر إلى محاولات تسريب الأراضي والاستيلاء عليها في الضفة الغربية بمعزل عن الصورة الأعم، أي حرب الإبادة التي تشمل كل ما هو فلسطيني: الأرض والإنسان والكيانية. ففي غزة يجري تدمير واسع للمكان والحياة، وفي الضفة الغربية تتكامل المصادرة والاستيطان وعنف المستوطنين والتهجير وتقييد الوصول إلى الأرض في اتجاه السيطرة والضم. وقد وثقت الأمم المتحدة في 2026 تصاعدا حادا في التهجير المرتبط بهجمات المستوطنين وهدم المنازل؛ كما امتدت البؤر الاستيطانية وتوسعت، فيما تتزايد القيود التي تمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.

ولهذا فإن مواجهة الإبادة لا يمكن أن تقتصر على وقف القتل والدمار، مهما كانت الأولوية لذلك. نحن بحاجة إلى استراتيجية فلسطينية شاملة وبعيدة المدى: استنهاض الإرادة الشعبية وبناء الوعي واستعادة القدرة على الفعل؛ تعزيز الصمود المجتمعي وحماية الناس وأرضهم وسبل عيشهم؛ ربط العدالة بالتحرر وتوسيع الضغط السياسي والقانوني والدبلوماسي الدولي لكشف سياسات حكومة اليمين ومحاسبتها؛ والتمسك بحق شعبنا في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. في قلب هذه الاستراتيجية يجب أن نعيد بناء المجتمع من أسفل إلى أعلى. إعادة تنظيم المجتمع هو البداية، وبناء الحركة المجتمعية بوصفها الأداة العملية، والقيادة الوطنية الجماعية البوصلة والموجه.

وفي هذا السياق تبدأ حماية الأرض بتوثيق ملكيتها، وحماية أصحابها، وكشف أساليب الاحتيال، وملاحقة المتورطين وفق القانون، وتعزيز وعي الناس بخطورة التنازل عن الأرض. ومبادرات مثل "كوشان بلدي" تذكّرنا بأن وثيقة الملكية ليست ورقة قديمة، بل جزء من الذاكرة الوطنية ودليل على الحق الذي لا ينبغي أن يُمحى.

أرضنا ليست للبيع. ومن يحمي الأرض يحمي ذاكرة شعب، وحقه في وطن، ومستقبل أجياله. وفي زمن محاولة كيّ الوعي ومحو المكان، تصبح حماية الأرض شكلا من أشكال حماية الوجود نفسه.
تعليقات