في الوقت الذي تتواصل فيه التصريحات الإسرائيلية المتطرفة بشأن مستقبل قطاع غزة وسكانه يحاول المستوى الرسمي في حكومة الاحتلال تقديم صورة مختلفة وكأن إسرائيل لا علاقة لها بأي مشروع لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، وكأن ما يطرح علناً من قبل وزراء وأحزاب وشخصيات دينية متطرفة لا يمثل جزءاً من المشهد السياسي الإسرائيلي، وفي هذا السياق خرج وزير خارجية الإحتلال جدعون ساعر ليؤكد أن إسرائيل لا تخطط لطرد أو ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة لكنه في الوقت نفسه قال إن إسرائيل لن تعارض خروج الفلسطينيين إذا كان ذلك طوعياً وبموافقة دولة أخرى على استقبالهم.
هنا تكمن المفارقة الكبرى فكيف يمكن الحديث عن هجرة طوعية لشعب يعيش تحت القصف والدمار والجوع والنزوح وتُدمر منازله وأحياؤه ومؤسساته وتُحاصر احتياجاته الأساسية، وهل تكون المغادرة طوعية حقاً عندما يصبح الإنسان أمام خيارين، أما البقاء وسط الركام والموت، أو الرحيل عن وطنه بحثاً عن مكان آمن، إن محاولة الفصل بين التهجير القسري وما يسمى الهجرة الطوعية لا تغيّر من جوهر المسألة، فالتهجير لا يبدأ بالضرورة بأمر مباشر وإنما قد يبدأ بصناعة ظروف تجعل البقاء مستحيلاً ثم تقديم الرحيل باعتباره خياراً شخصياً.
ما يقوله ساعر لا يمكن فصله عن التصريحات والخطط التي يطرحها وزراء في اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يكشف ما تحاول الحكومة إنكاره، فقد عاد موضوع إخراج الفلسطينيين من غزة إلى الواجهة بقوة خلال الأيام الأخيرة مع طرح خطط تتحدث صراحة عن نقل أعداد ضخمة من سكان القطاع تحت عنوان الهجرة الطوعية، وقد اقترح الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير خطة لإخراج أعداد كبيرة من الفلسطينيين من غزة ودعمت شخصيات يمينية الفكرة بأشكال مختلفة، وبالتالي فإن المشكلة ليست في تصريح وزير وإنما في وجود تيار سياسي إسرائيلي متطرف بات يتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم عقبة أمام مشروعه الاستيطاني والسياسي ويرى في الحرب والدمار فرصة لإعادة هندسة الواقع السكاني والجغرافي في غزة، وليس جديداً على إسرائيل أن تواجه الانتقادات ثم تحاول تقديم خطاب رسمي أكثر اعتدالاً، بينما تواصل شخصيات داخل الائتلاف الحاكم طرح أفكار أكثر تطرفاً ولهذا فإن العبرة ليست فقط بما تقوله الحكومة في بياناتها الرسمية بل أيضاً بما يطرحه وزراؤها وشركاؤها السياسيون وما يحاولون تحويله تدريجياً إلى سياسة واقعية.
مخططات التهجير مشروع قديم بثوب جديد وليست وليدة حرب غزة الحالية وإنما تعود إلى بدايات المشروع الصهيوني وإلى نكبة عام 1948 حين اقتُلع مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، ولكن بعد السابع من أكتوبر 2023 عادت فكرة التهجير إلى الواجهة بقوة بالتزامن مع حرب واسعة أدت إلى نزوح أعداد هائلة من الفلسطينيين داخل القطاع وتدمير واسع للمنازل والبنية التحتية والمرافق المدنية، ومن الخطأ النظر إلى التهجير باعتباره مجرد عبور للسكان من مكان إلى آخر، فالتهجير الحقيقي يعني قطع الإنسان عن بيته وأرضه ومجتمعه وذاكرته وتحويل النزوح المؤقت إلى واقع دائم ثم محاولة إقناع العالم بأن الفلسطيني اختار الرحيل بإرادته، وهنا تصبح عبارة الهجرة الطوعية بحاجة إلى قراءة سياسية وأخلاقية عميقة لأن الطوعية تفقد معناها عندما تُفرض على الإنسان ظروف قاسية تهدد حياته ووجوده ومستقبل أسرته.
إن تدمير قطاع غزة لا يمكن النظر إليه فقط من زاوية الخسائر العسكرية بل يجب النظر أيضاً إلى آثاره الاجتماعية والديموغرافية لإعادة رسم خارطة غزة جديدة، فعندما يفقد الإنسان منزله ومكان عمله ومدرسته ومستشفاه ومصادر رزقه ويعيش سنوات تحت الخوف والنزوح فإن ذلك يشكل خطراً حقيقياً بأن يتحول الدمار إلى أداة ضغط تدفع السكان إلى البحث عن أي مكان يمكن أن يوفر لهم الحد الأدنى من الأمان، والخطر الأكبر أن يجري تحويل الكارثة الإنسانية إلى وسيلة سياسية وأن تتحول معاناة الفلسطينيين إلى ورقة ضغط لإقناعهم بأن لا مستقبل لهم في أرضهم، ومن هنا فإن المجتمع الدولي مطالب بألا يكتفي برفض التهجير لفظياً بل أن يعمل على منع الظروف التي تجعل التهجير ممكناً وأن يضمن للفلسطينيين حقهم في العودة إلى مناطقهم ومنازلهم وإعادة إعمار ما دمرته الحرب والعيش على أرضهم بحرية وكرامة.
ورغم كل ما تعرض له الشعب الفلسطيني من قتل ودمار ونزوح وجوع بقيت هناك حقيقة لم تستطع كل أدوات الحرب تغييرها فالفلسطيني لن يتحول إلى لاجئ مرة أخرى وسيبقى متمسك بأرضه، فالبيت الذي دُمر لا يعني أن صاحبه تخلى عنه والمدينة التي تحولت إلى ركام لا تعني أن أهلها نسوها والخيمة التي يعيش فيها النازح لا تعني أنه قبل بأن تكون بديلاً دائماً عن منزله، لقد أثبت الفلسطينيون مرة أخرى أن علاقتهم بالأرض ليست مجرد علاقة بمكان للسكن بل هي علاقة بالهوية والتاريخ والذاكرة والحق، ولذلك فإن كل محاولات دفعهم إلى الرحيل سواء جاءت تحت عنوان التهجير الصريح أو الهجرة الطوعية إصطدمت بإرادة شعب يعرف أن خروجه من أرضه يعني تكرار المأساة التي عاشها عام 1948، قد تستطيع إسرائيل تدمير الحجر لكنها لن تستطيع بسهولة تدمير ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه، وقد تستطيع أن تجعل الحياة أكثر قسوة لكنها لن تستطيع تحويل الاقتلاع إلى خيار طوعي لمجرد تغيير المصطلحات، فالفلسطيني الذي بقي متمسكاً بأرضه رغم الموت والدمار والجوع يقول بوضوح إن غزة ليست محطة مؤقتة في حياة أهلها وإن فلسطين ليست أرضاً يمكن التخلي عنها تحت ضغط الحرب بل هي وطن ومن حق أصحابها أن يبقوا فيه ويعيدوا بناءه وأن يعيشوا فيه بحرية وكرامة.