بقلم: جلال مبارك
إياك وكبار السن! ليس تحذيرًا منهم، بل تحذيرٌ من قسوة القلب عليهم، ومن إهمال من أفنوا أعمارهم في رعايتنا، ومنحونا من الحب والصبر والتضحيات ما لا تستطيع الأيام أن تردّه.
قد يرقدون ولا ينامون، وقد يأكلون ولا يهضمون، وقد يضحكون ولا يفرحون، وقد يوارون دمعتهم خلف ابتسامة صامتة؛ لأنهم اعتادوا أن يحملوا أوجاعهم بصمت، وألا يجعلوا أبناءهم يشعرون بثقل ما في صدورهم.
يؤلم كبير السن بُعدك عنه، وانصرافك عن حديثه، وانشغالك بهاتفك وأنت تجلس إلى جواره. يؤلمه أن يشعر بأن البيت الذي كان يومًا قلبه النابض لم يعد يمنحه المكانة التي يستحقها. كانوا محور البيت، يجمعون شمل الأسرة، ويحملون همومها، ويصنعون الأمان، ثم يأتي خريف العمر فيجد بعضهم نفسه على هامش الاهتمام.
وحاجات كبار السن ليست طعامًا وشرابًا وملبسًا ودواءً فقط؛ إنهم يحتاجون قبل ذلك إلى الأنس، والاهتمام، والكلمة الطيبة، وإلى من يسمع حديثهم دون ملل، ويشعرهم بأن وجودهم ما زال نعمة، وأن حضورهم في البيت لا يزال يصنع الفرق.
وكما يقول المثل العربي: «كما تدين تُدان»؛ فما تزرعه اليوم في قلوب كبار السن، قد تحصده غدًا حين تدور بك عجلة العمر.
لقد فقد كثير منهم آباءهم وأمهاتهم، وودّعوا رفاق العمر، وحملوا في ذاكرتهم سنوات من الفقد والأحزان. لذلك فإن كلمة عابرة قد تجرحهم، ونبرة قاسية قد تبقى في نفوسهم طويلًا.
وليس غريبًا أن يقول حافظ إبراهيم:
«الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها
أعددتَ شعبًا طيّبَ الأعراقِ»
فالأم واحدة من أعظم صور العطاء التي يمثلها كبار السن في حياتنا؛ ومن الوفاء لمن ربّونا أن نرد لهم شيئًا من جميلهم حين تضعف الأجساد وتثقل الخطوات.
كبار السن هم الأب والأم، والجد والجدة، وذاكرة العائلة وجذورها. هم الشموع التي أضاءت لنا الطريق، فلا يليق بنا أن نتركهم يواجهون عتمة الخريف وحدهم.
اجعلوا أيامهم أكثر دفئًا، ولياليهم أكثر أنسًا. لا تؤجلوا زيارة، ولا تبخلوا بكلمة جميلة، ولا تجعلوا مشاغل الحياة حجةً للغياب؛ فبعض الغياب لا تعوّضه الأيام.
كونوا العوض عمّا فقدوا، والربيع في خريف أعمارهم، والعكاز فيما تبقى من الطريق. أعطوهم من وقتكم قبل هداياكم، ومن قلوبكم قبل أيديكم؛ فما يحتاجه كبير السن أحيانًا ليس شيئًا يُشترى، بل إنسانًا يجلس إلى جواره ويقول له: أنا هنا.
وتذكروا أن كبير السن اليوم هو أنت وأنا غدًا؛ فالعمر لا يستأذن أحدًا حين يمضي.
فانظر ماذا تصنع، وماذا تزرع، قبل أن يأتي يوم تحتاج فيه إلى حصاد ما زرعت.
سلامٌ على كبار السن، وسلامٌ على من يرعاهم، وسلامٌ على كل قلبٍ أدرك أن برّهم ليس واجبًا فحسب، بل وفاءٌ لمن صنعوا لنا الحياة.
