أريج خليل صافي
تصر وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة على تغييب دور المريض، وتسعى إلى البحث عن الأسباب بعيدًا عن فضاء الفئة المستهدفة. وتبدأ وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة بالتعرف على الأسباب التي أفضت إلى خلق مشكلات من خلال مخطط إيشيكاوا.
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى وكأنها اعتراض على استخدام إحدى أدوات الإدارة الحديثة، إلا أن جوهر المسألة مختلف تمامًا. فمخطط إيشيكاوا أداة رائعة وفعالة للتعرف على الأسباب المحتملة للمشكلات وتحليلها، والقبعات الست أداة معروفة لتنظيم أنماط التفكير وإدارة النقاش. وليس من الإنصاف مهاجمة الأدوات لمجرد أنها استُخدمت.
الإشكالية الحقيقية تكمن في متى نستخدم الأداة؟ وكيف نستخدمها؟ ومن أي موقع ننظر إلى المشكلة؟ والأهم: هل عرّفنا المشكلة أصلًا قبل أن نبدأ في البحث عن أسبابها؟
ففي الإدارة الرشيدة، لا تبدأ عملية تحليل المشكلة من سؤال: ما أسبابها؟، وإنما تبدأ من سؤال أكثر جوهرية:
ما المشكلة تحديدًا؟ ومن يراها مشكلة؟ وكيف تبدو هذه المشكلة من وجهة نظر المستفيد؟
وهنا تحديدًا تبدأ المسافة بين الإدارة التي تبحث عن الحقيقة، والإدارة التي تبحث عن تفسير جاهز للواقع.
المريض ليس متغيرًا هامشيًا
في المؤسسة الصحية الخدماتية، لا يمكن التعامل مع المريض باعتباره مجرد "فئة مستهدفة" تظهر في مقدمة الخطة أو في تعريف المشروع، ثم تختفي عندما يبدأ التحليل.
المريض هو محور العملية كلها.
هو الذي يطلب الخدمة، وينتظرها، ويتعامل مع إجراءاتها، ويتحمل نتائج تعقيدها أو بطئها، وهو في النهاية من يدفع الثمن عندما تفشل المؤسسة في تقديمها في الوقت والجودة المناسبين.
ولهذا فإن البحث عن أسباب مشكلة صحية أو إدارية بعيدًا عن المريض يشبه محاولة تفسير رحلة كاملة اعتمادًا على شهادة شخص يقف في محطة واحدة منها.
فالموظف يرى الجزء الذي يمر أمامه.
أما المريض فيعيش رحلة الخدمة بأكملها.
قد يرى الموظف أن المشكلة هي نقص توقيع، أو تأخر موافقة، أو نقص موظفين، أو خلل في النظام الإلكتروني، أو عدم اكتمال ملف.
لكن المريض قد يرى المشكلة بصورة مختلفة تمامًا:
انتظار طويل، معلومات غير واضحة، انتقال من نافذة إلى أخرى، إعادة تقديم المستندات، عدم معرفة أين وصل ملفه، غياب جهة واضحة للمتابعة، أو فقدان فرصة علاجية بسبب التأخير.
وهنا يصبح السؤال الإداري بالغ الأهمية:
أي تعريف للمشكلة سنعتمد؟ تعريف المؤسسة أم تجربة المريض؟
من الفكر التشغيلي إلى التفكير الاستراتيجي
تزداد أهمية هذه المسألة عندما نعلم أن غالبية العاملين الذين يشاركون في مثل هذه الأنشطة داخل المؤسسة الصحية هم في الأساس عاملون في الخط التشغيلي المباشر.
إنهم يتعاملون يوميًا مع المرضى والمرافقين، ويستقبلون الملفات، وينجزون المعاملات، وينسقون المواعيد، ويتابعون الموافقات، ويتعاملون مع الحالات العاجلة، ويبحثون عن حلول فورية للمشكلات التي تظهر أمامهم.
وهذا ليس نقصًا فيهم، بل هو طبيعة عملهم.
إنهم يعملون وفق منهجية الفكر التشغيلي، وهي منهجية ضرورية لاستمرار المؤسسة الصحية.
العامل التشغيلي يسأل:
كيف أنجز الخدمة الآن؟
بينما التفكير الاستراتيجي يسأل:
لماذا تتكرر المشكلة؟ وما الذي يجب تغييره في النظام حتى لا تتكرر؟
كلا السؤالين صحيح، وكلاهما ضروري، لكن الخطأ الإداري يبدأ عندما نخلط بين المستويين، ثم نطلب من العامل التشغيلي أن ينتج وحده تفسيرًا استراتيجيًا لمشكلة النظام.
فالعامل التشغيلي يرى ما يحدث داخل العملية التي يعمل فيها، لكنه لا يرى بالضرورة الصورة الكاملة لرحلة المريض عبر المؤسسة.
ولهذا فإن التخطيط الاستراتيجي الحقيقي لا ينبغي أن يلغي الفكر التشغيلي، بل يجب أن يستفيد منه ويعيد تنظيمه داخل رؤية أشمل.
الفكر التشغيلي يحافظ على استمرار الخدمة، والتفكير الاستراتيجي يعيد تصميم النظام، وصوت المريض يختبر قيمة الاثنين.
إيشيكاوا: أداة عظيمة، ولكن...
من الظلم أن نضع مخطط إيشيكاوا في موضع الاتهام.
فالمخطط أداة فعالة جدًا في تحليل الأسباب المحتملة، ويساعد الفريق على عدم الاكتفاء بالسبب الظاهر والانتقال إلى التفكير في الأسباب الكامنة وراء المشكلة.
لكن الأداة لا تستطيع أن تعرّف المشكلة نيابة عن المؤسسة.
وهنا تكمن المسألة.
إذا كانت صياغة المشكلة نفسها غير دقيقة، فإننا قد ننتج تحليلًا ممتازًا لمشكلة غير صحيحة.
يمكن أن يكون المخطط مرتبًا، والأسباب كثيرة، والنقاش غنيًا، والنتيجة تبدو علمية، لكننا في النهاية قد نكون قد حللنا ما تراه المؤسسة مشكلة، وليس ما يعيشه المريض كمشكلة.
ولهذا يجب أن تسبق إيشيكاوا مرحلة أكثر أهمية:
تعريف المشكلة من خلال الأدلة وتجربة المستفيد والبيانات التشغيلية معًا.
فإذا كان لدينا مثلًا مشكلة "تأخر تحويل مريض للعلاج خارج القطاع"، فلا يكفي أن نضع على المخطط: الموارد البشرية، الإجراءات، الموافقات، الاتصال، النظام الإلكتروني، الإدارة، وغيرها.
علينا أولًا أن نسأل:
متى يبدأ التأخير؟
ومن يحتسبه؟
ومن يتحمل أثره؟
وما الذي يحدث للمريض خلال فترة الانتظار؟
وهل المشكلة في سرعة الإجراء أم في تصميم العملية كلها؟
عندها فقط يصبح إيشيكاوا أداة تحليل حقيقية، وليس تمرينًا ذهنيًا.
والقبعات الست... أين تقف؟
أما منهجية القبعات الست للتفكير، فهي بدورها أداة يمكن أن تساعد على تنظيم الحوار وتوسيع زوايا النظر إلى المشكلة، من خلال الانتقال بين التفكير الواقعي، والعاطفي، والنقدي، والإيجابي، والإبداعي، والتنظيمي.
لكن نقل هذه المنهجية إلى المؤسسة الصحية الخدماتية يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فالبيئة الصحية ليست غرفة تدريب مغلقة يمكن فيها فصل أنماط التفكير عن بعضها بصورة مصطنعة.
إنها بيئة يتعامل فيها الإنسان مع المرض والألم والخوف والوقت والانتظار والقلق.
العاطفة في تجربة المريض ليست مجرد "قبعة حمراء" نرتديها لبضع دقائق أثناء جلسة التدريب ثم نخلعها.
والوقت الذي ينتظره مريض للحصول على علاج ليس مجرد رقم في "قبعة بيضاء".
والقلق الذي تعيشه أسرة تنتظر نتيجة أو موافقة أو تحويلًا ليس عنصرًا يمكن فصله عن المشكلة ثم إعادته إليها في نهاية التمرين.
في المؤسسة الصحية، الإنسان ليس نمطًا من أنماط التفكير؛ الإنسان هو موضوع العملية كلها.
ولهذا فإن استخدام القبعات الست، إن تم، ينبغي أن يكون أداة مساعدة لتنظيم التفكير، لا بديلًا عن الاستماع للمريض، ولا عن تحليل رحلة الخدمة، ولا عن قراءة البيانات الواقعية.
والأخطر من ذلك أن الاعتماد المفرط على التمرين الذهني قد يمنح المشاركين شعورًا بأنهم استنفدوا جميع زوايا المشكلة، بينما قد تكون أهم زاوية غائبة عن الغرفة أصلًا:
زاوية المريض.
من "ما السبب؟" إلى "ما المشكلة؟"
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تتوقف عندها العقول الإدارية طويلًا.
قبل أن نسأل:
ما أسباب المشكلة؟
علينا أن نسأل:
ما المشكلة؟
ثم:
من يحددها؟
ثم:
ما الأدلة التي تثبت وجودها؟
ثم:
كيف يراها المريض؟
ثم فقط نبدأ في البحث عن أسبابها.
فقد تكون المؤسسة مشغولة بحل مشكلة "تأخر إنجاز المعاملات"، بينما المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى المريض هي "عدم حصوله على الخدمة في الوقت المناسب".
والفرق بين العبارتين ليس لغويًا.
الأولى تركز على إنتاج المؤسسة.
والثانية تركز على أثر المؤسسة.
وهنا نصل إلى جوهر مؤشرات الأداء.
عندما يتحول المؤشر إلى غاية
مؤشرات الأداء ليست غاية في ذاتها.
إنها أدوات لقياس مدى نجاح المؤسسة في تحقيق أهدافها.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول المؤشر من وسيلة إلى غاية، وعندما يصبح ارتفاع عدد المعاملات المنجزة دليلًا كافيًا على النجاح، دون السؤال عن أثر هذه المعاملات على المستفيد.
قد تنجز الدائرة ألف معاملة في الشهر.
وقد ترتفع نسبة الإنجاز إلى 95%.
وقد تنخفض مدة معالجة الملف من عشرة أيام إلى خمسة.
لكن السؤال الذي يجب ألا يختفي خلف كل هذه الأرقام هو:
ماذا تغير في حياة المريض؟
إذا بقي المريض ينتظر العلاج، أو ظل ينتقل بين الجهات، أو لم يحصل على معلومة واضحة، أو فقد فرصة علاجية بسبب خلل في المسار، فإن ارتفاع المؤشر الإداري لا يعني بالضرورة نجاح المؤسسة الصحية.
وهنا يجب أن نفرق بين:
المدخلات، والأنشطة، والمخرجات، والنتائج، والأثر.
فإنجاز المعاملة مخرج.
أما وصول المريض إلى الخدمة المناسبة في الوقت المناسب فهو نتيجة.
أما التحسن الذي يحدث في حياته الصحية والإنسانية فهو الأثر.
والخلط بين هذه المستويات هو أحد أكثر أشكال الخلل الإداري خطورة.
من التخطيط إلى تسويف الأهداف
التخطيط الاستراتيجي الحقيقي لا يعني عقد ورشة، ثم إنتاج مخطط، ثم تحديد مجموعة من المؤشرات، ثم انتظار اجتماع آخر لمناقشة النتائج.
التخطيط الحقيقي يعني:
تحديد المشكلة، وتعريفها بدقة، وتحديد الهدف، واختيار المؤشر المناسب، وتحديد المسؤول، ووضع إطار زمني، ثم تنفيذ التدخل وقياس أثره.
أما إذا تحولت ورش العمل والأدوات والمنهجيات إلى سلسلة متواصلة من النقاشات دون انتقال حقيقي إلى التنفيذ، فإننا نكون أمام مشكلة أخطر:
إدارة التأجيل تحت مسمى التخطيط.
وهنا تبدأ عملية الهدم المؤسسي بطريقة لا تبدو في ظاهرها هدمًا.
لا أحد يقول إن الأهداف غير مهمة.
ولا أحد يرفض التخطيط.
ولا أحد يعارض تطوير الأداء.
لكن الهدف يؤجل باسم التحليل، والقرار يؤجل باسم جمع البيانات، والإصلاح يؤجل باسم بناء المؤشرات، والتنفيذ يؤجل باسم الحاجة إلى مزيد من الدراسة.
وبمرور الوقت تصبح المؤسسة منشغلة بإنتاج الوثائق التي تثبت أنها تعمل، بدل إنتاج النتائج التي تثبت أن عملها أحدث أثرًا.
وهنا يتحول التخطيط من أداة لبناء المؤسسة إلى أداة لتسويف أهدافها.
لا تهدم المؤسسة باسم تطويرها
إن أخطر ما يمكن أن يفعله المدير ليس أن يخطئ في استخدام أداة إدارية.
فالخطأ يمكن تصحيحه.
الأخطر أن تتحول الأدوات الإدارية إلى غطاء لإعادة إنتاج الواقع نفسه، أو إلى وسيلة لتأجيل القرار، أو إلى آلية لإلقاء مسؤولية الخلل على العاملين التشغيليين بدل مراجعة تصميم النظام.
المؤسسة الصحية لا تُبنى بكثرة الورش.
ولا بكثرة المخططات.
ولا بكثرة المؤشرات.
ولا بالتصفيق للأرقام.
المؤسسة تُبنى عندما يتحول التخطيط إلى تغيير حقيقي في الواقع.
وإذا كان المريض هو محور المؤسسة الصحية، فإن أي تخطيط لا يبدأ من تجربته، ولا يعود إليه، ولا يقيس أثر الخدمة عليه، سيظل ناقصًا مهما بدا متقدمًا من الناحية الإدارية.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق إيشيكاوا، والقبعات الست، ومؤشرات الأداء، والخطط الاستراتيجية جميعها هو:
ما المشكلة التي يعيشها المريض فعلًا؟
ثم نسأل:
ما الذي يمنع المؤسسة من حلها؟
ثم:
ما الذي يجب أن يتغير؟
ثم:
كيف سنعرف أن التغيير حدث فعلًا؟
عندها فقط يصبح إيشيكاوا أداة تحليل، وتصبح القبعات الست أداة مساعدة، ويصبح مؤشر الأداء أداة إدارة، ويصبح التخطيط الاستراتيجي وسيلة إصلاح لا وسيلة تسويف.
أما أن نبحث عن أسباب مشكلة لم نجتهد في تعريفها، وأن نحللها من داخل المؤسسة دون أن نستمع إلى من يعيشها خارجها، فذلك ليس تخطيطًا استراتيجيًا مكتملًا، بل هو إعادة إنتاج للمشكلة بأدوات إدارية حديثة.
وفي المؤسسة الصحية الخدماتية تحديدًا، يجب ألا ننسى الحقيقة الأبسط والأكثر أهمية:
المريض ليس بندًا في الخطة، ولا رقمًا في المؤشر، ولا مخرجًا في نهاية العملية؛ المريض هو السبب الذي وُجدت المؤسسة من أجله أصلًا.
