📁آخر الأخبار

مرضى قطاع غزة يصرخون للتعبير عن احتياجاتهم: ما بين مؤشر الأداء وغياب المعيار ترتفع أصوات المرضى


هو مريض كبد، وهي مريضة كلى، وهم مرضى أورام سرطانية، وذاك مريض ينتظر علاجًا متخصصًا لا يتوفر داخل قطاع غزة. لا أبحث عن نشاط إداري جديد، ولا عن دورة تدريبية، ولا عن شاشة استعلام؛ أنا أبحث عن علاجي، وعن استمراريته، وعن جهة تحمل مسؤوليتي من لحظة الاحتياج حتى الوصول إلى العلاج.
هنا يجب أن تسمع الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة صوت المرضى الذين لا تندرج احتياجاتهم العلاجية ضمن الخدمات التي تقدمها بعض المؤسسات الصحية الإحلالية التي جاءت في ظروف استثنائية لتسد فجوات في النظام الصحي. فمؤسسة صحية قد تسد فجوة في خدمة محددة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تحل محل منظومة المستشفيات الحكومية كافة، بما فيها المستشفيات أحادية التخصص والعامة والمركزية، وما يرتبط بها من إحالة وعلاج بالخارج وتنسيق وارتباط ومتابعة.
مريض السرطان لا يحتمل انقطاع بروتوكوله العلاجي، ومريض الكلى لا يحتمل اضطراب جلساته، ومريض الكبد يحتاج إلى متابعة متخصصة، وهناك مرضى آخرون لا يجدون أصلًا الخدمة التي تتناسب مع احتياجاتهم في تلك المؤسسات. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يحمل رحلة هؤلاء المرضى؟ ومن يضمن ألا تضيع احتياجاتهم بين تعدد المؤسسات والمسارات؟
لقد كانت دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى جزءًا من هذه الرحلة؛ فالمريض المحول للعلاج خارج القطاع يحتاج إلى أكثر من قرار تحويل. يحتاج إلى ملف متابع، وتنسيق، وارتباط، وترتيب، ومتابعة مستمرة. ولذلك فإن أي إعادة توزيع للأدوار أو إنشاء مسارات بديلة يجب أن تُقاس أولًا بأثرها على المريض، لا بعدد المؤسسات التي أصبحت تعمل.
ومن هنا أيضًا تبرز قضية إعارة الموظفين العموميين العاملين في القطاع الصحي للعمل في المؤسسات الإحلالية. فالموظف ليس مجرد رقم يمكن نقله من مؤسسة إلى أخرى؛ فكل انتقال للقوى البشرية يجب أن يُقرأ من خلال أثره على المؤسسة التي خرج منها، وعلى قدرتها التشغيلية، وعلى استمرارية خدماتها. فالبديل الذي يقوى على حساب الأصل قد لا يكون إضافة إلى النظام، بل إعادة توزيع لنقاط ضعفه.
لكن الإشكالية لا تقف عند حدود المؤسسات والموارد البشرية؛ بل تمتد إلى الطريقة التي نعرّف بها الأداء ونقيسه. إذ يبدو أحيانًا أن النتائج تُعرض منفصلة عن مدخلاتها، وأن كل نشاط قابل للعرض يمكن أن يتحول إلى مؤشر أداء: زيارة ميدانية، دورة تدريبية، أداة إلكترونية، مبادرة إدارية أو إنجاز تقني.
لكن هل كل ما نفعله يُعد أداءً؟
الدورة ليست أداءً لمجرد أنها عُقدت، والزيارة ليست أداءً لمجرد أنها تمت، والشاشة ليست أداءً لمجرد أنها أطلقت.
المعيار يبدأ عندما نسأل: ماذا تغير للمريض؟
هل وصل إلى علاجه في الوقت المناسب؟ هل استمر علاجه دون انقطاع؟ هل انخفض زمن انتظاره؟ هل أصبح مسار تحويله أكثر وضوحًا؟ وهل تحسنت الخدمة التي يتلقاها؟
هنا فقط ننتقل من استهلاكية الأداء إلى الإنتاجية المعيارية؛ لأن المؤشر الحقيقي لا يعيش منفصلًا عن المدخلات والعمليات والمخرجات والنتائج والأثر. ولا يمكن أن نعلن نجاح المخرجات قبل أن نسأل عن المدخلات التي صنعتها، ولا أن نسمي النشاط أداءً قبل أن نثبت أثره على المريض.
إن المرضى لا يطلبون امتيازًا. مريض السرطان، والكلى، والكبد، والمريض المحول للعلاج بالخارج، يريدون منظومة تحمل احتياجاتهم ولا تجعلهم يبحثون عن علاجهم بين المؤسسات والمسارات واللجان.
ولذلك، فإن صوت المريض يجب أن يكون أعلى من صوت المؤشر؛ لأن المؤشر الذي لا يرى المريض قد يقيس نشاط المؤسسة، لكنه لا يقيس بالضرورة أداءها.
وفي النهاية، قد تستطيع المؤسسة أن تقول: أنجزنا، ودرّبنا، وزرنا، وأطلقنا، ونسقنا؛ لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو:
ماذا حدث للمريض؟
هناك، فقط، تبدأ الحقيقة.
نضال احمد جابر جودة.
تعليقات