📁آخر الأخبار

النظام الدولي ما بين التحولات ومخاض الولادة الجديدة ... بقلم/ إحسان بدرة


قراءة في تحولات النظام الدولي ومخاض عالم ما بعد الهيمنة …

لا يمكن قراءة المشاهد الدولية الحرب الروسية الااوكرانية والعدوان الإسرائيلي على غزة والمواجهات العسكرية بين آسرائيل أمريكا وإيران والتنافس الأمريكي–الصيني، والحروب التجارية والتكنولوجية على اعتبار أنها أزمات منفصلة بل على العكس تماما هى واقعيا حلقات مترابطة في سياق تاريخي واحد يحمل عنوان أفول النظام الدولي .

هذا النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية وتعثر ولادة نظام جديد .. حيث أن النظام العالمي منذ ع٣ام 1945م قائم على منظومة مؤسسات وقواعد قانونية وسياسية

من واجبها أن تحفظ السلم والأمن الدوليين.

ولكن الحال لم يعد هو الحال بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م ودخول العالم مرحلة أحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والتي امتلكت التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي حيث أدارت النظام العالمي وفق مصالحها وتحالفاتها العسكرية والأمنية والاقتصادية.

فالعقود الثلاثة الأخيرة من عمر العالم كشفت حدود هذه الهيمنة حيث نجد أن الحروب الممتدة والأزمات المالية وصعود الصين وعودة روسيا إلى المشهد الدولي وكذلك بروز قوي إقليمية مؤثرة

(الهند . تركيا . البرازيل . السعودية) .

كل هذه عوامل أعادت تشكيل موازين القوة وأضعفت قدرة أي دولة على الإنفراد بقيادة العالم.

حيث جاءت الحرب الروسية–الأوكرانية لتؤكد حقيقة بأن القوة الغربية رغم ضحامتها لم تعد قادرة على حسم الصراعات الكبرى في العالم وكذلك الحرب على غزة كشفت عجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن وقف حرب الإبادة أو حتى القدرة على حماية المدنيين أو إنقاذ قواعد القانون الدولي الإنساني في ظل ازدواجية المعايير واستخدام حق النقض لخدمة المصالح السياسية والتحالفات وخاص لصالح إسرائيل.

أما جزئية المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران والتدخل الأمريكي المباشر فيها أثبت وأكدت أن إقليم الشرق الأوسط بات جزءا من صراع دولي وأن سياسة الردع التقليدية لم تعد حكرا على طرف واحد.

وكل هذه التطورات والتغيرات ليس معناها ان الولايات المتحدة الأمريكية فقدت مكانتها بوصفها القوة الأكبر عالميا بل تعني أن قدرتها على فرض أرادتها المفردة لم تعد كما كانت.

في المقابل في الجزء الشرقي من العالم نجد الصين وروسيا قوى صاعدة لم تتمكن بعد من بناء نظام دولي بديل يمتلك أذرع ومؤسسات قوية وأليات فاعلة لإدارة الأزمات العالمية.

وبالتالي نشأت المفارقة الكبرى

نظام عالمي قديم فقد فاعليته وشرعيته تدريجيا ونظام دولي جديد لم يكتمل بعد .. بينهما فراغ حيث تتزايد الحروب وتتسع الأزمات وتتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية

وأصبح العالم أكثر اضطرابا وأقل قدرة على إدارة النزاعات.

وأنه ليس من قبيل الصدفة أن تتزامن هذه المرحلة مع سباق عاملي على الذكاء الاصطناعي وأشباه المواصلات والطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد إذ لم يعد الصراع يدور حول الجغرافيا وحدها بل حول التكنولوجيا، والاقتصاد، والسيطرة على مفاصل القوة في القرن الحادي والعشرين.

وسط هذا المشهد تظهر مجموعة

“بريكس” وغيرها من التكتلات الاقتصادية الصاعدة لتعبر عن الرغبة في بناء نظام أكثر تعددية ولكن تلك القوى رغم اتساع نفوذها الاقتصادي والسياسي لل تزال غير قادة على إدارة النظام الدولي لافتقارها لرؤية موحدة أو تقديم بديل للنظام القائم.

ووسط هذا المشهد الدولي بما فيه وما عليه تبرز القضية الفلسطينية حيث تحولت إلى أحد أهم اختبارات النظام الدولي فما يجري في غزة التي لم تعد مجرد صراع آقليمي بل صار معيارا يقاس به مدى احترام القانون الدولي ومصداقية المؤسسات الأممية وقدرة المجتمع الدولي على حماية المبادئ التي قام عليها النظام العالمي بحد الحرب العالمية الثانية .

أما القضية الفلسطينية، فقد تحولت إلى أحد أهم اختبارات النظام الدولي.

والمفارقة هنا فعندما تعجز تلك المؤسسات عن تنفيذ قراراتها أو حماية المدنيين فالأزمة لا تكون أزمة فلسطين وحدها بل تصبح أزمة النظام الدولي ذاته.

فالتاريخ يعلمنا أن يعلمنا أن النظم الدولية لا تسقط فجأة كذلك البدائل لا تولد في لحظة واحدة .

مثلا النظام الذي أعقب مؤتمر فيينا، ثم نظام ما بعد الحربين العالميتين، لم يتشكلا إلا بعد سنوات م الصراعات والتحولات الكبرى.

واليوم وما يشهده العالم قد يكون مخاض تاريخي مشابه حيث تتداخل فيه المنافسة الإستراتيجية لإعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية

لذا فإن العالم اليوم يقف عند مفترق طرق إما تنجح القوى الكبرى في بناء نظاما أكثر توازنا وعدالة ويقوم على احترام القانون الدولي مبادئه وتعددية الانتقالية بما تحمله من صراعات وحروب واستقطابات تهدد الأمن والاستقرار العالميين .

خاتمة القول ...

العالم اليوم لا يعيش أزمة طرق بل يعيش نهاية مرحلة تاريخية كاملة

نظام دولي قديم يندحر ويتقهقر ولكنه لم يسقط بعد .

ونظام جديد تتأخر ولادته ولكنه يتشكل ببطء وسط صراع ارادات وتبديل موازين القوى وبين

أفول القديم ومخاض الجديد

ووسط كل المشاهد العالم يعيش أكثر مراحل الاضطراب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية .

وبالتالي لم يعد السؤال:

هل سيتغير النظام الدولي؟ومن سيصوغ قواعده الجديدة، وعلى أي أسس من القوة والشرعية والعدالة سيقوم؟

        صحفي وناشط سياسي


تعليقات