لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية مجرد أعمال فردية أو تجاوزات يقوم بها متطرفون خارج إطار الدولة، بل أصبحت جزءًا من سياسة متكاملة تخدم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. فإسرائيل التي تمتلك جيشًا وأجهزة أمنية قادرة على فرض سيطرتها على كل شبر من الأراضي المحتلة، تستطيع وقف اعتداءات المستوطنين متى أرادت، لكنها تفضل توظيفها كورقة ضغط على الفلسطينيين لخدمة أهداف سياسية وديموغرافية واضحة.
وتشهد الضفة الغربية انتشار مئات الحواجز والبوابات العسكرية التي تُفرض بحجة حماية المستوطنين، بينما يُحرم الفلسطينيون من حرية الحركة ويُعاقبون جماعيًا. وفي المقابل، يواصل المستوطنون اقتحام القرى والاعتداء على المواطنين وإحراق الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية تحت حماية مباشرة أو غير مباشرة من قوات الاحتلال.
ويبرز في هذا السياق دور شخصيات اليمين المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، اللذان لا يخفيان دعمهما للمشروع الاستيطاني وتوسعه في الضفة الغربية. وقد ساهمت سياساتهما وتصريحاتهما في توفير غطاء سياسي للمستوطنين المتطرفين، وشجعت على تصاعد الاعتداءات بحق الفلسطينيين من خلال توسيع الاستيطان وتسهيل تسليح المستوطنين تحت ذريعة "الدفاع عن النفس".
لكن الوقائع على الأرض تؤكد أن الفلسطينيين هم الضحية الأساسية، بينما يتحول بعض المستوطنين إلى مجموعات منظمة تمارس العنف بهدف ترهيب السكان ودفعهم إلى الرحيل عن أراضيهم. وفي كثير من الأحيان تبدو هذه المجموعات أكثر تطرفًا من الجيش نفسه، وتؤدي دورًا وظيفيًا في تنفيذ سياسات لا ترغب الحكومة في الظهور بمظهر المنفذ المباشر لها.
ورغم التباينات الحزبية داخل إسرائيل، فإن معظم القوى السياسية تتفق على حماية المشروع الاستيطاني والحفاظ على السيطرة على الأرض الفلسطينية. وقد تختلف الأساليب والخطابات، لكن النتيجة واحدة: المزيد من الاستيطان، ومزيد من التضييق على الفلسطينيين، ومزيد من الوقائع التي تُفرض بالقوة.
إن اعتداءات المستوطنين ليست حوادث معزولة، بل جزء من مشروع يهدف إلى تهجير الفلسطينيين تدريجيًا، خصوصًا في المناطق الريفية والأغوار ومحيط القدس، من خلال خلق بيئة طاردة للحياة والاستقرار. ولذلك فإن مواجهة هذه السياسات تتطلب توثيق الجرائم وفضحها إعلاميًا على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني وتعزيز الوحدة الوطنية، لأن الشعب الفلسطيني يواجه مشروعًا استيطانيًا منظمًا تدعمه حكومة اليمين الإسرائيلي سياسيًا وماليًا وأمنيًا. فكلما توحد الفلسطينيون وتعزز حضورهم الإعلامي والسياسي، ازدادت قدرتهم على كشف حقيقة المشروع الاستيطاني ومقاومة محاولات التهجير والاقتلاع من الأرض.
إن المستوطنين ليسوا ظاهرة عابرة، بل أداة من أدوات الاحتلال لفرض الوقائع على الأرض، وما يجري اليوم يؤكد أن معركة الفلسطينيين ليست فقط مع مجموعات متطرفة، بل مع منظومة سياسية كاملة تسعى إلى تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.
