📁آخر الأخبار

مرضى قطاع غزة بين فوضى الإدارة وفوضى الإنجاز.. نضال احمد جابر جودة.


في الأنظمة الصحية لا يُقاس نجاح الإدارة بحجم الحركة داخل المؤسسة، ولا بعدد الاجتماعات التي تُعقد، ولا بعدد اللجان التي تُشكل، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الإنسان الذي وجدت من أجله المؤسسة الصحية؛ وهو المريض. فكل نظام صحي مهما بلغت صعوبة ظروفه يبقى معيار نجاحه الحقيقي مرتبطًا بسؤال واحد: هل استطاع أن يخفف معاناة المريض، ويضمن وصوله إلى الخدمة في الوقت المناسب؟
وفي واقع قطاع غزة الصحي، حيث تتداخل محدودية الموارد مع حجم الاحتياجات الإنسانية المتزايدة، لم يعد كافيًا أن نتحدث عن نقص الإمكانات فقط، بل أصبح من الضروري أن نراجع طريقة إدارة هذه الإمكانات، لأن جزءًا من معاناة المرضى قد لا يرتبط دائمًا بغياب الموارد، وإنما بكيفية تنظيمها وتوجيهها والاستفادة منها.
ومن هنا يبرز سؤال إداري مهم: هل يعاني مرضى قطاع غزة فقط من أزمة موارد، أم أنهم يدفعون أيضًا ثمن فوضى الإدارة وفوضى الإنجاز؟
إن فوضى الإدارة لا تعني غياب العمل، بل قد تظهر أحيانًا في كثرة الحركة غير المنظمة؛ عندما تتعدد الجهات، وتتداخل الصلاحيات، وتُستحدث اللجان دون تحديد واضح لدورها، فتتحول الأداة التي يفترض أن تسهل العمل إلى مسار إضافي يزيد من تعقيد رحلة المريض.
كما تظهر فوضى الإدارة عندما تصبح بعض التكليفات الإدارية بعيدة عن معايير الاختصاص والكفاءة، وعندما تُدار قوائم انتظار المرضى بمنطق التحديث المستمر دون وجود نظام واضح يحدد الأولويات الطبية والإنسانية، فيصبح الملف يتحرك بين الجهات أكثر مما يتحرك المريض نحو الخدمة.
أما فوضى الإنجاز فهي الوجه الآخر للأزمة؛ لأنها لا تتمثل في غياب النشاط، وإنما في الخلط بين النشاط والإنجاز. فقد تعقد الاجتماعات بصورة متكررة، وتُستعرض القوائم، وتُوثق اللقاءات بالصور، وتُعلن المبادرات، وتظهر بعض الأدوات التقنية، لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا: هل تغير واقع المريض؟
فالإنجاز الذي لا يصل أثره إلى المريض يبقى إنجازًا منقوصًا. لأن القيمة الحقيقية لأي إجراء إداري لا تكمن في وجوده، وإنما في قدرته على إزالة عائق، أو تقليل زمن انتظار، أو تحسين خدمة، أو إنقاذ فرصة علاجية.
ومن هنا تبدأ مرحلة مختلفة؛ مرحلة الانتقال من إدارة الملفات إلى إدارة رحلة المريض.
فالمريض ليس رقمًا في قائمة انتظار، وليس ملفًا ينتقل بين المكاتب، وإنما هو رحلة تبدأ منذ لحظة اكتشاف الحاجة الصحية، مرورًا بالتشخيص واتخاذ القرار، ثم استكمال الإجراءات، وانتهاءً بحصوله على الخدمة. وكل نقطة تتعطل فيها هذه الرحلة تمثل مسؤولية إدارية يجب تحديدها ومعالجتها.
إن الإدارة التشغيلية الفاعلة لا تبدأ من السؤال: كم عدد الاجتماعات التي عقدناها؟ وإنما تبدأ من أسئلة أكثر ارتباطًا بالواقع: أين يوجد المريض الآن؟ ما الذي يؤخر حصوله على الخدمة؟ من المسؤول عن إزالة هذا العائق؟ ما الزمن المتوقع لإنهاء مساره؟ وما البديل إذا تعذر المسار الأول؟
هذه الأسئلة البسيطة هي التي تحول الإدارة من رد فعل إلى فعل مؤسسي.
كما أن التعامل مع قوائم المرضى لا يجب أن يبقى في إطار العرض والمراجعة فقط، وإنما يجب أن يتحول إلى عملية تشغيلية يومية؛ قائمة مبنية على الأولويات، مرتبطة بالقدرات المتاحة، ويتم تحديثها وفق معايير واضحة، بحيث يعرف كل طرف دوره ومسؤوليته.
فالاجتماع الإداري الحقيقي ليس الذي يجمع أكبر عدد من الحضور، وإنما الذي ينتج قرارًا محددًا، ومسؤولية واضحة، وزمنًا للتنفيذ، ومؤشرًا لمعرفة ما إذا تحقق المطلوب أم لا.
وفي هذا السياق، فإن العاملين المباشرين مع المرضى ليسوا مجرد منفذين للقرارات، بل هم شركاء أساسيون في صناعة الحلول. فموظف الاستقبال يرى بداية المعاناة، والممرض يلمس تفاصيل الاحتياج اليومي، والطبيب المعالج يدرك الأولويات الطبية، والعامل الصحي يواجه التحديات التشغيلية. إن إبعاد هؤلاء عن صناعة القرار يعني فقدان جزء مهم من المعرفة التي تحتاجها الإدارة.
إن المرحلة القادمة لا تحتاج إلى مزيد من المظاهر الإدارية، وإنما تحتاج إلى إدارة هادئة تعمل بعيدًا عن عدسة الكاميرا، إدارة تقيس نجاحها بعدد المرضى الذين وصلوا إلى الخدمة، وبعدد العقبات التي أزيلت، وبالوقت الذي تم اختصاره من رحلة المعاناة.
فالمريض لا يعنيه عدد اللجان التي اجتمعت، ولا عدد الصور التي التقطت، ولا عدد التقارير التي أُعدت؛ ما يعنيه فقط أن يجد طريقه واضحًا نحو العلاج.
وهنا يكمن الفرق بين إدارة تدير الأزمة، وإدارة تصنع الحل.
فإذا كانت فوضى الإدارة تهدر الجهد، فإن فوضى الإنجاز تهدر المعنى؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في النظام الصحي هو أن ننجح في إثبات أننا نعمل، بينما لا يشعر المريض بأن شيئًا قد تغير.
ولهذا يبقى السؤال الذي يجب أن تراجعه كل مؤسسة صحية مع نفسها: هل نحن نبني نظامًا يخدم المريض، أم نبني نظامًا يثبت أنه يعمل
تعليقات