أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوما رئاسيا في التاسع من يوليو 2026 حدد فيه يوم السبت الموافق 28 / 11/ 2026 موعدا لإجراء الانتخابات التشريعية، ودعا الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة للمشاركة فيها، كما حدد موعد الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من العام المقبل.
وجاء هذا المرسوم الرئاسي في ظل متغيرات عربية وإقليمية ودولية متسارعة، وانقسام فلسطيني طال أمده، وضغوط فلسطينية وعربية ودولية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بعد سنوات من تعطيل المؤسسات الفلسطينية المنتخبة؛ فقد جرت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية في 25 يناير/ كانون الثاني 2006 فازت فيها حركة حماس بأغلبية المقاعد، في تحول شكل مفاجئة سياسية أدت لاحقا إلى تصعيد الخلافات مع حركة فتح وصولا إلى انقسام جغرافي وسياسي عبثي حاد عام 2007، إذ سيطرت حماس على قطاع غزة، بينما بقيت السلطة الفلسطينية بقيادة فتح تدير الضفة الغربية.
وأدى الانقسام إلى تداعيات كارثية الحقت أضرارا بالغة بمصالح الشعب الفلسطيني الذي يواجه اليوم حربا مفتوحة على وجوده الوطني وحقوقه التاريخية في ظل كارثة غزة، وتراجع الدعم العربي الرسمي، وفشل السلطة الوطنية في إنهاء الانقسام، ووقوفها عاجزة أمام التصاعد غير المسبوق في اعتداءات المستوطنين، ونهب الأراضي، وإقامة مشاريع الاستيطان والضم، وفرض الوقائع الميدانية الصهيونية في الضفة والقدس وقطاع غزة.
انتخاب مجلس تشريعي جديد عبر الآليات الديموقراطية الحرة النزيهة حق ومطلب شعبي طال انتظاره، وضرورة ملحة لتجديد الشرعية في الحياة السياسية الفلسطينية. ولهذا يتوقع المراقبون أن تشهد الانتخابات التشريعية والرئاسية تنافسا بين القوى التقليدية ممثلة بالفصائل والأحزاب السياسية، إلى جانب شخصيات مستقلة، وقوائم شبابية، وهو ما قد يعيد رسم الخريطة السياسية الفلسطينية.
فهل ستتمكن فتح وحماس من الحصول على أغلبية المقاعد كما حدث سابقا والاستمرار في الهيمنة على القرار السياسي الفلسطيني؟ لا شك أن حركة فتح التي تعاني من شحة في الموارد المالية، ومن تراجع دورها السياسي على الساحتين العربية والدولية، ومن اتهامات شعبية فلسطينية تتعلق بفشلها في إنهاء الانقسام وتعاملها مع دولة الاحتلال والتصدي للاستيطان، تسعى إلى استعادة موقعها الشعبي بعد سنوات من التراجع واتهامات بالفساد والجمود السياسي، وحماس التي تعرضت لضربة قوية جدا نتيجة لحرب الإبادة والدمار التي شنتها دولة الاحتلال على القطاع تعاني من توقف الدعم المالي الذي كانت تقدمه لها قطر وغيرها، ومن استشهاد عدد من كبار قادتها، وتخليها عن حكم قطاع غزة وتسليم سلطاتها " لمجلس الإعمار."
هذه العوامل قد تؤدي إلى تراجع في عدد المقاعد التي ستحصل عليها فتح وحماس إذا قررت حماس المشاركة في الانتخابات، وتكون نواة لإصلاح مؤسساتي يخلق واقعا سياسيا ديموقراطيا جمعيا جديدا ينهي هيمنة إحدى الحركتين أو كلاهما معا على النظام السياسي ، ويتيح المجال لاختيار رئيس جديد، وتشكيل حكومة وفاق وطني تكون قادرة على تغيير الواقع الفلسطيني الذي يزداد ترديا يوما بعد يوم.
ولهذا يعتبر الفلسطينيون الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة فرصة تاريخية لإحداث تغيير في تركيبة المجلس التشريعي ومؤسسة الرئاسة، وإدخال وجوه جديدة إلى الحياة السياسية تمثل الشعب الفلسطيني وتحترم إرادته واختياره بتطبيق نتائج العملية الانتخابية وفقا للقانون الأساسي الفلسطيني الذي تم إصداره عام 2003 والذي يعتبر بمثابة الدستور المؤقت للبلاد، وتعمل على توحيد القرار والنظام السياسي الفلسطيني وانهاء الانقسام والشرذمة الفصائلية وتكوين جبهة موحدة للتصدي للاحتلال والاستيطان، وتستطيع قراءة الوضع العربي والدولي وتداعياته على القضية الفلسطينية وتتفق على استراتيجية موحدة في التعامل مع دول العالم وكسب دعمها للحق الفلسطيني وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
...
