📁آخر الأخبار

جماليات اللغة وصراع الهوية دراسة نقدية في رواية المباهلة للروائي الفلسطيني: خلوصي عويضة/ بقلم: الأديب الفلسطيني: هشام محمد الجدبة


تتحرك سردية صراع الهوية وجماليات اللغة في رواية "المباهلة" للروائي الفلسطيني خلوصي عويضة لتتجاوز مجرد خلاف سياسي عابر، متحولة إلى مجابهة وجودية كبرى بين ذات فلسطينية كنعانية متجذرة في الأرض وبين غريب يحاول استلاب هذا التاريخ ومحوه وتشويهه. ويتجلى هذا الصراع في النص من خلال تقابل لغوي حاد وضعه الكاتب ليفرز هويتين متناقضتين تمامًا؛ هوية فلسطينية تنبض بالحياة والأصالة والدفء العائلي، وتتجسد عبر شواهد سردية حميمية مثل رائحة المحاشي الممتزجة برائحة السمن البلدي، والتمسك بطقوس الأرض كالعرق والركوع والسجود، وجلسة الجدة التي تجلس في صدر البيت كرمز للمرجعية والثبات الثقافي. وفي المقابل، تبرز الهوية الاستيطانية الاقتلاعية الوافدة، المغمسة بالانغلاق الفكري والعدوانية اللفظية، والتي يستحضر النص شواهدها على لسان بنيامين غولدشتاين والحاخام مئير كاهانا في محاولتهم لتجريد أصحاب الأرض من إنسانيتهم عبر نعتهم بأوصاف مادية تلمودية ترى الآخرين كائنات أدنى، مثل الأغيار أو الغوييم هم حمير خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار. إن هذا التشظي في بنية الهوية والتنازع الفكري لم يكن مجرد تنظير، بل تحول إلى معركة نفسية وعقائدية تسكن تفاصيل شخوصها وتوجه مصائرهم وتقود إلى فاجعة الحرم الإبراهيمي، حيث حاول المستوطن إلغاء الوجود الفلسطيني بقوة الرصاص، لكن لغة الرواية الختامية تعود لتؤكد انتصار الهوية الأصلية الكنعانية وتمسكها بالصمود والأمل برغم برك الدماء وعمق الجراح.

ويتجلى هذا التنازع بوضوح على لسان الطبيب هادي الذي يرفض بصرامة كل المسميات السياسية التي تحاول تذويب الذات الفلسطينية وعزلها عن امتدادها الطبيعي، معلناً هويته بوضوح ورافضاً مصطلح عرب إسرائيل أو عرب الداخل، ليؤكد أنهم ينتمون بعقولهم وقلوبهم، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، لشعب فلسطين كعرب أقحاح لا يمكن أن يزولوا أو يذوبوا في الآخرين. وفي مسار آخر، نجد أن الهوية لا تُولد مع الإنسان كقالب جاهز دائماً، بل قد تصيغها الصدمات الكبرى والمجازر؛ فالطفل أسعد، الذي شهد مجزرة الحرم الإبراهيمي، انحفرت في روحه مشاهد الدماء والهلع بينما كان شاخصاً ببصره نحو السماء، ولم تترك تلك اللحظات المروعة في جسده عاهة وعرجة فحسب، بل انصهرت بكيانه لتشكل هوية الآتي، متحولة من براءة الطفولة إلى رغبة عارمة في الثأر والانتقام والتحول إلى شخص آخر.

أما في بلاد الغربة والمهجر، فيأخذ الصراع شكلاً مغايراً يتراوح بين الانسياق وراء الحلم الأمريكي والعودة الإجبارية للفطرة، حيث نرى أنور الذي عاش مغترباً ولم يكن متمسكاً بالطقوس الدينية كوالده، غمرته نشوة فرح عارمة بمجرد انتقاله للعيش في الحي الإسلامي بلوس أنجلوس وسماعه صوت الأذان من مسجد بلال، فتحركت هويته النائمة بالسليقة والفطرة لتؤكد ارتباطه بجذوره رغم محاولات الاندماج. وفي الوقت نفسه، كان ابنه سامي يخوض صراعاً أكثر حرجاً في المدارس الأمريكية نتيجة التمييز، مما دفعه للبحث عن حصن يحميه، فوجد في المسجد ملاذاً لتعزيز هويته الدينية في مواجهة بيئة ترفضه. وعلى الضفة الأخرى من الصراع، تبرز الهوية الإحلالية المتطرفة كوجه صدام مباشر في شخصية بنيامين غولدشتاين الذي تعرض لغسيل دماغ وتشرّب فكراً تلمودياً متطرفاً في مدرسة يشيف، وتوج صراع هويته الإقصائية بتغيير اسمه إلى باروخ والانتقال فوراً للاستقرار في مستوطنة كريات أربع، في إشارة واضحة إلى أن الهوية لديه بُنيت على أساس إلغاء وجود صاحب الأرض الأصلي.

هذا العمل الأدبي المشحون بالدلالات والتقابلات النفسية والفكرية البارزة، تتحرك جماليات لغته بناءً على فصوله الأولى لتصنع عوالم متناقضة تلتقي عند مصبّ الفاجعة، بدءاً من تلك الافتتاحية القاسية التي تعتمد على التناص الديني المستند إلى نصوص من العهدين القديم والجديد كشاهد أوّلي على الصراع. وتبرز الجمالية هنا في اختيار اقتباسات تَتسم بالحدة، حيث يستشهد الكاتب من العهد القديم بعبارة: "تضْرِبُ سُكَّانَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا"، ومن العهد الجديد بعبارة: "مَا جئتُ لألْقيَ سلاماً بل سيفاً وجئتُ لأُلْقيَ ناراً على الأَرضِ". ولم يكن هذا التوظيف عبثياً، بل شحن النص بطاقة تمهيدية تنذر بأن لغة الرواية اللاحقة ستتحرك في فلك صراع ديني وسياسي محتدم تُسلب فيه الكلمات أبعادها الروحية لتصبح مبررات للقتل.

ومع انطلاق السرد على لسان شخصية أسعد الذي يعيش حالة من الاستسلام والانكسار، تمتاز اللغة في مقاطع المونولوج الداخلي بالشاعرية والمسحة الرثائية، حيث يكثر الكاتب من المحسنات والصور البلاغية التي تترجم الوجع. ويظهر ذلك بوضوح في استعارات وتعبيرات تشخيصية يستحضرها السرد كشواهد على انكسار الذات مثل: "احتواها فراغ الصمت ولفها الحزن بردائه محكم الإغلاق"، والمجازات الحركية التي تشبه تدفق الأيام بمياه النهر، أو تشبه الذاكرة والروح في قوله: "كأنما يمسك بخيط الساعات والأسابيع والشهور والأعوام ليعيدها إلى نقطة البدء، ليرى روحه وهي تحلق كفراشة ملونة". هذا التباين اللغوي بين لغة أسعد الطفل التي تتسم بالبراءة والدفء المرتبط بذاكرة العائلة عبر شواهد سردية مثل تفاصيل الصيام وهلال رمضان وجدته التي تجلس في صدر البيت، وبين لغته المحاصرة بدوي الماضي وقسوة الواقع، يمنح النص عمقاً درامياً باهراً.

ثم ينتقل الروائي في مسار آخر إلى لغة تميل إلى الواقعية التسجيلية والتقريرية والتوثيق التاريخي والجغرافي وهو يطوف بالقارئ بين جبال الخليل وقراها، فشهد النص ذكراً ليطا، وبيت عوا، وحلحول، قبل أن ينتقل عبر المحيط إلى نيويورك متتبعاً تفاصيل بروكلين، وسنترال بارك. وتتجلى هنا جماليات التضاد المكاني؛ ففي الخليل نجد اللغة مغمسة بعبق التاريخ والركوع والسجود وحبات العرق، بينما تصبح في نيويورك لغة مادية جافة تتحدث بالشاهد العباري عن عالم البورصة الجبار وناطحات السحاب والجريمة وتجارة الأفيون، وهو ما يعكس نجاح الكاتب في صياغة لغة خاصة بكل بيئة تجعل الجغرافيا تنطق بالصراع الثقافي.

وعند الانتقال لتتبع نشأة المتطرف غولدشتاين، تتحول اللغة إلى أداة تشريحية نفسية، حيث يستعمل الكاتب معجماً يفيض بالعنف الفكري والتعصب الأعمى وبذور الحقد والكراهية وعن حدّة الانغلاق الفكري لدى بنيامين غولدشتاين والحاخامات المتطرفين. في عتمة الكنائس التي غادرتها تراتيل المحبة، لم يعد صدى موعظة الجبل يتردد؛ فقد استُبدلت آيات التسامح التي تدعو إلى "أن من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر" ببارود الصواريخ المسيسة لليمين المسيحي المتصهين. هناك، حيث يلتقي هذا التحالف بأطماعه لتلبية كافة احتياجات إسرائيل في بوتقة مصلحة دينية واحدة، صِيغت عقيدة جديدة تبرر المحو وتُشرعن اقتلاع شجر الزيتون وهدم الحيوات، متناسين جوهر الإيمان ليتلوا الجزارون عبارات من الكتاب المقدس فوق الجثث، ويترنموا بنصوص سفر التثنية "فلا تستبقِ منهم نسمة"، لتتحول الكلمات في أيديهم من بشارة سلام إلى سيفٍ يقطف الأرواح بلا هوادة. وتبرز الجمالية النقدية في قدرة الكاتب على توليد لغة تلمودية متطرفة على لسان غولدشتاين والحاخام مئير كاهانا تبرر الجريمة ممهدة لغوياً ونفسياً لمجزرة الحرم الإبراهيمي.

وفي لحظة المجزرة نفسها، تصبح اللغة حسية وبصرية ومسموعة بشكل مكثف، إذ يتخلى النص عن شاعريته الهادئة ليتحول إلى إيقاع لغوي سريع متلاحق يحاكي الرصاص، ويبرز الشاهد الأقوى هنا في قوله: "كان الرصاص هستيرياً زأر أزيزه وعلا دوّيه المرعب ممتزجاً بصرخات سباب القتلة وبصرخات الاستغاثة والأنين". ويبرز هنا التكرار الصوتي السريع للاستغاثات والنداءات عبر شواهد حية مثل: "جدي.. جدييييي، واقتلووه.. اقتلوه، وإسعاف.. إسعاف"، ليخلق حالة من الذعر تنقل القارئ إلى قلب الحدث، قبل أن تنتهي الفاجعة بلغة الصمت المطبق والعمى المؤقت كاستجابة نفسية للفجيعة وبرك الدماء.

أما في أواخر الفصول المتاحة من هذا المسار السردي، فتتحول جماليات اللغة نحو الرصد التوثيقي المتماسك والتحليل الفكري الرصين الذي يتتبع ارتدادات الفاجعة وصداها الوجداني. ويستحضر النص هنا شواهد لغوية تعبر عن التمزق الفكري ووهم السيطرة, متمثلة في التعبيرات التي تصف حالة الاستلاب والتبعية العمياء مثل: "الركض خلف السراب والجري وراء أفيون الوهم"، ليصيغ الكاتب عبرها بلاغة نقدية تفكك البنى الفكرية للمتطرفين والقتلة وضحاياهم على حد سواء، وتتكامل هذه اللغة التفكيكية الختامية مع التوصيف المشهداني لحركة الشخصيات وانتقالاتها الروحية، مما يمنح الرواية قفلة بلاغية تتسم بالنضج الفكري والعمق الإنساني.

وهنا يكمن جمال اللغة في رواية "المباهلة"؛ في قدرتها الفائقة على التلوّن والتشكّل لتصبح أداة طيّعة تعكس التناقضات الحادة والتحولات النفسية والفكرية العميقة للشخصيات. ويتجلّى هذا الجمال في تلك القدرة الإبداعية على المزاوجة بين شاعريّة "لغة الذاكرة" المترعة بالدفء والحنين الإنساني من جهة، وبين قسوة وظلمة "لغة العنف" المعبأة بالنصوص الإباديّة والحقد من جهة أخرى. إنها لغة لا تكتفي بنقل الأحداث بصورة جامدة، بل تصنع بأصواتها وتكراراتها وإيقاعها الحسي المتسارع لوحة بصرية ومسموعة تضع القارئ في قلب الفاجعة، وتحوّل الجغرافيا الصامتة إلى فضاء حيّ ينطق بالصراع وينتصر للهوية والذات.

ومن هذا المنطلق، نجح الكاتب في توظيف اللغة كمرآة عاكسة للصراع الوجودي والثقافي، فلم يتركها أداة محايدة لرواية الأحداث، بل شحنها بأبعاد دلالية ونفسية تجعل من الكلمة شريكة في صنع المأساة والتعافي منها على حد سواء.
تعليقات