📁آخر الأخبار

عندما تصرخ وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فمن حقنا أن نسأل عن إدارة الأولويات.. نضال احمد جابر جودة


هل سألت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة نفسها وشركاءها الدوليين يوماً: هل تكمن أزمة مرضى الأورام في نقص الموارد فقط، أم في كيفية إدارة الموارد المتاحة وتوجيهها نحو الأولويات الصحية الأكثر إلحاحاً؟ وهل أصبحت المنظومة الصحية تقيس نجاحها بعدد المؤسسات العاملة وحجم التمويل، أم بقدرتها على حماية المرضى الذين يعتمد بقاؤهم على علاج لا يحتمل التأجيل؟
أصدرت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة بياناً صحفياً حذرت فيه من نقص حاد وغير مسبوق في الأدوية الأساسية لمرضى الأورام، وتوقف العديد من بروتوكولات العلاج الكيميائي، وعجز أقسام الأورام عن استقبال حالات جديدة، إضافة إلى وجود آلاف المرضى الذين ينتظرون السفر لتلقي العلاج، مؤكدة أن استمرار هذا الواقع يهدد حياة المرضى بصورة مباشرة.
ولا يختلف اثنان على أن ما ورد في البيان يمثل أزمة صحية وإنسانية حقيقية تستوجب تحركاً عاجلاً، فمرضى الأورام، وأمراض الكلى، وأمراض الكبد، لا يملكون ترف الانتظار، لأن علاجهم يقوم على بروتوكولات علاجية متواصلة، وأي انقطاع فيها قد يعني تدهوراً صحياً لا يمكن تداركه.
غير أن هذا البيان يفتح، من منظور الإدارة الصحية، باباً لسؤال مهني أكثر عمقاً، يتعلق بإدارة الموارد قبل الحديث عن ندرتها، وبالحوكمة قبل الحديث عن التمويل، وبالأولويات قبل الحديث عن الإمكانات.
لقد شهد قطاع غزة خلال المرحلة الماضية توسعاً في عمل المستشفيات الميدانية والمؤسسات الصحية الدولية، التي تعمل بالتنسيق مع وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة من خلال الإدارة العامة للتعاون الدولي، كما تستعين بعدد من كوادر الوزارة للعمل داخلها مع احتفاظهم بمسمياتهم الوظيفية في الهيكل التنظيمي للوزارة، إضافة إلى حصولهم على رواتب أو حوافز مالية من تلك الجهات، إلى جانب ما تتمتع به هذه المؤسسات من إمكانات تشغيلية وتمويلية ولوجستية كبيرة.
وهنا تكمن نقطة الالتقاء بين وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة وهذه المؤسسات؛ فهي ليست كيانات منفصلة عن المنظومة الصحية، وإنما تعمل ضمن إطار التنسيق الرسمي، وتعتمد على الكادر الحكومي، وتتحرك في إطار السياسة الصحية العامة، بما يجعلها جزءاً من القدرة التشغيلية للقطاع الصحي، حتى وإن اختلفت مصادر تمويلها أو جهات دعمها.
ومن هنا يبرز السؤال الإداري المشروع:
إذا كانت هذه المؤسسات تمتلك التمويل، والكوادر، والدعم اللوجستي، والقدرة التشغيلية، فلماذا لا تنعكس هذه الإمكانات بصورة مباشرة على الفئات المرضية الأكثر احتياجاً، وفي مقدمتها مرضى الأورام، ومرضى الفشل الكلوي، ومرضى أمراض الكبد، الذين يعتمد علاجهم على برامج علاجية طويلة الأمد لا تحتمل الانقطاع؟
إن المتابع لطبيعة الخدمات التي تقدمها غالبية هذه المؤسسات يلاحظ أنها تتركز في الخدمات الطبية العامة أو الجراحية أو التدخلات العلاجية قصيرة المدى، بينما تبقى الأمراض المزمنة والمعقدة خارج نطاق التغطية الكافية، رغم أنها تمثل العبء الصحي الأكبر، والأكثر كلفة، والأشد خطورة على حياة المرضى.
ومن منظور الإدارة التشغيلية، فإن هذا الواقع يفرض مراجعة حقيقية لآليات توزيع الموارد، لأن نجاح المنظومة الصحية لا يقاس بحجم التمويل، ولا بعدد المؤسسات العاملة، ولا بعدد الموظفين الذين يتقاضون رواتب أو حوافز، وإنما يقاس بمدى قدرتها على توجيه مواردها نحو الاحتياجات الصحية ذات الأولوية القصوى.
فإذا كانت المؤسسات البديلة تمتلك القدرة على تمويل الكوادر، وتوفير التجهيزات، وضمان استمرارية التشغيل، فمن الطبيعي أن يتساءل المختصون: لماذا لا يُخصص جزء من هذه القدرة لدعم برامج الأورام، وأمراض الكلى، وأمراض الكبد، سواء من خلال توفير الأدوية التخصصية، أو دعم بروتوكولات العلاج، أو تمويل خدمات التشخيص، أو الإسهام في برامج التحويل للعلاج خارج القطاع؟
إن القضية هنا ليست التقليل من جهود أي مؤسسة، ولا الانتقاص من العاملين فيها، فجميعهم يؤدون رسالتهم الإنسانية في ظروف استثنائية بالغة الصعوبة، وإنما القضية تتعلق بفلسفة إدارة الموارد وتحديد الأولويات، لأن الإدارة الرشيدة لا تبحث عن كثرة الخدمات بقدر ما تبحث عن عدالة توزيعها، ولا تقيس النجاح بما تم تشغيله، بل بما تم إنقاذه من أرواح.
إن بيان وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة ينبغي ألا يكون مجرد صرخة تطالب بالمزيد من التمويل، بل فرصة لإجراء مراجعة إدارية شاملة مع جميع الشركاء الدوليين، بهدف إعادة توجيه الموارد المتاحة نحو الفئات المرضية الأكثر هشاشة، وإعادة بناء منظومة تكاملية لا تسمح بوجود وفرة تشغيلية في جانب، وعجز يهدد الحياة في جانب آخر.
فحين تصبح المؤسسات الصحية شريكة في الموارد، وشريكة في الكوادر، وشريكة في التشغيل، فإنها يجب أن تكون أيضاً شريكة في تحمل المسؤولية تجاه أكثر المرضى احتياجاً.
ويبقى السؤال الذي افتتحنا به المقال قائماً:
هل نواجه أزمة نقص في الموارد فقط، أم أننا نواجه أيضاً أزمة في إدارة الأولويات وتوجيه الموارد حيث تكون قيمة الحياة أعلى .
تعليقات