التصعيد الإسرائيلي بين الحسابات الأمنية والمشروع السياسي... إلى أين تتجه الضفة الغربية؟
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد التطورات المتسارعة في الضفة الغربية مجرد أحداث أمنية متفرقة يمكن قراءتها في إطار ردود الفعل الآنية، بل باتت تعكس تحولاً استراتيجياً في طبيعة السياسة الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة. فالتصريحات التي أعقبت الأحداث الأخيرة في بلدة تل جنوب غرب نابلس، وما رافقها من قرارات بتوسيع العمليات العسكرية، وتشديد الإجراءات الأمنية، والمضي في إجراءات تتعلق بالبؤر الاستيطانية، توحي بأن الحكومة الإسرائيلية تتجه إلى مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم الواقع الميداني والسياسي في الضفة الغربية.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الاقتحامات والاعتقالات واعتداءات المستوطنين في عدد من المحافظات، تتزايد التحذيرات من دخول الضفة الغربية مرحلة أكثر حساسية قد تحمل تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية، لتنعكس على مجمل المشهد الفلسطيني والإقليمي.
ولا تقتصر هذه القراءة على التقديرات الفلسطينية أو الدولية، بل إن أصواتاً إسرائيلية من داخل المؤسسة الأمنية والسياسية ومراكز الدراسات الاستراتيجية باتت تحذر هي الأخرى من خطورة المسار الحالي.
فقد أشار مسؤولون أمنيون إسرائيليون سابقون، في مناسبات مختلفة، إلى أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية دون وجود أفق سياسي يزيد من احتمالات اتساع دائرة المواجهة، ويؤدي إلى تآكل الاستقرار الأمني على المدى البعيد. كما دأبت مراكز بحث إسرائيلية، وفي مقدمتها معهد دراسات الأمن القومي (INSS) ومعهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، على التحذير من أن استمرار التوتر في الضفة الغربية قد يفتح جبهة إضافية تستنزف القدرات العسكرية الإسرائيلية في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات أمنية وإقليمية متعددة.
وفي الاتجاه ذاته، تناول باحثون في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية التداعيات الداخلية لاستمرار التصعيد، محذرين من أن تغليب الاعتبارات الأيديولوجية والاستيطانية على حساب الاعتبارات الأمنية والسياسية قد يفاقم الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، ويزيد الضغوط الدولية على إسرائيل.
كما لم تخلُ الصحافة الإسرائيلية من انتقادات لهذا النهج؛ إذ نشرت صحف إسرائيلية، وفي مقدمتها هآرتس، تحليلات ومقالات رأي اعتبرت أن توسع عنف المستوطنين، إذا لم تتم مواجهته بسيادة القانون، من شأنه أن يقوض مكانة إسرائيل الدولية، ويعمق حالة الاحتقان في الضفة الغربية، ويجعل احتمالات الانفجار أكثر ترجيحاً.
وتبرز أهمية هذه الانتقادات في أنها تصدر عن جهات إسرائيلية تنطلق من اعتبارات أمنية واستراتيجية بالدرجة الأولى، إذ ترى أن استمرار التصعيد لا يحقق استقراراً دائماً، بل يرفع منسوب المخاطر الأمنية ويزيد احتمالات اتساع دائرة المواجهة.
ومن منظور استراتيجي، تبدو الحكومة الإسرائيلية وكأنها تسعى إلى الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية: الأول تعزيز السيطرة الأمنية الميدانية، والثاني توسيع الحضور الاستيطاني، والثالث فرض وقائع جديدة على الأرض قد تؤثر في أي ترتيبات سياسية مستقبلية. إلا أن نجاح هذه المقاربة يبقى محل نقاش حتى داخل الأوساط الإسرائيلية، حيث يرى عدد من الخبراء أن الإجراءات الأمنية وحدها لا توفر حلولاً مستدامة للصراع.
أما على الصعيد القانوني، فإن القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، يضع إطاراً قانونياً ينظم حماية المدنيين في الأراضي المحتلة، ويؤكد على التزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب قواعد القانون الدولي. كما أن أي ادعاءات بوقوع انتهاكات جسيمة تبقى خاضعة لآليات التحقيق والتقييم القضائي المختصة وفق القانون الدولي، بعيداً عن الأحكام المسبقة، بما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون.
سياسياً، يضع التصعيد الحالي المجتمع الدولي أمام تحدٍ متجدد يتمثل في كيفية منع تدهور الأوضاع، والحفاظ على فرص الاستقرار، في ظل استمرار حالة الجمود السياسي. كما يفرض على الأطراف الدولية الفاعلة البحث عن آليات أكثر فاعلية لدعم التهدئة، وتعزيز احترام القانون الدولي، وتشجيع استئناف المسار السياسي باعتباره المدخل الأكثر استدامة لمعالجة جذور الصراع.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الضفة الغربية تقف بالفعل أمام مرحلة دقيقة، تتسم بارتفاع مستوى التوتر وتعدد بؤر الاحتكاك، الأمر الذي يجعل أي تطور ميداني قابلاً لإحداث تداعيات واسعة. ومع ذلك، فإن مستقبل الأوضاع سيظل مرتبطاً بقرارات الفاعلين على الأرض، ومدى نجاح الجهود الإقليمية والدولية في احتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مستويات أكثر خطورة.
إن القراءة الموضوعية للمشهد تؤكد أن الأمن وحده لا يكفي لإدارة صراع ممتد منذ عقود، وأن الاستقرار الحقيقي يظل رهناً بإيجاد أفق سياسي يعالج أسباب الصراع، ويؤسس لحلول تستند إلى القانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة. وفي غياب هذا الأفق، ستبقى الضفة الغربية عرضة لدورات متكررة من التصعيد، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وأمنية وسياسية على جميع الأطراف.
