📁آخر الأخبار

توجيهي غزة.. عندما تُهزم الزغاريدُ صمتَ الركام.. بقلم: د. سلامة أبو زعيتر


عندما يتراكم الركام فوق الركام، ويُخيّل للرائي أن العتمة قد أطبقت على المدى وأن صخب المآسي قد خنق كل صوت، تباغت غزة العالم برواية أخرى.. رواية يُكتب فصلها الجديد بالنور لا بالرماد.

فاليوم، لم تكن نتائج الثانوية العامة (التوجيهي) في غزة مجرد استحقاقٍ تعليمي أو محطة عبور مدرسي، بل جاءت كوثيقة صمود أسطورية، وإعلان انطلاق لجيلٍ تحالكت عليه الظروف وذاق مرارة المعاناة لكنه رفض السقوط؛ فقبض على القلم كما يَقْبض على الأمل، ونسج من قلب العتمة والوجع فرحاً يفيض نوره ليسع العالم بأكمله!

إن المشاهد التي شهدتها الأحياء ومخيمات النزوح اليوم ليست مجرد نوبات فرح عابرة، بل هي فلسفة إرادة، ورسالة وجود، وإعلان صارخ لشعبٍ يثبت في كل لحظة أنه يتقن صناعة الحياة ويسعى إليها، وينتصر للنجاح رغم أثقال المأساة.

فالفرحة التي شاهدتها وأنا أتنقل بين المخيمات اليوم تقشعر لها الأبدان؛ فلم تقف حرارة الصيف ولا مرارة النزوح ووجع التشريد حائلاً دونها، بل وضع الأهالي كل ذلك جانباً ليفرحوا ويستمتعوا بحدثٍ يتكرر مرة في العام؛ فرحة "التوجيهي" التي أصبحت جزءاً أصيلاً من ثقافتنا وذاكرتنا الوطنية، ومنذ الأمس، والناس تترقب ساعة الإعلان بمشاعر التضامن والمؤازرة؛ فحتى من لم يكن لديهم أبناء في الثانوية العامة، كانت قلوبهم مشدودة مع الجيران والأقارب والأحبة، بصفتهم شركاء في الهم والمصير...

في غزة، يكتسب العلمُ مفهومًا استثنائيًا يختلف عن كل بقاع الأرض؛ فهو ليس مجرد تحصيلٍ معرفي أو ممرٍ للحصول على شهادة، بل هو عقيدة صمود وإيمان راسخ بأن التغيير يكون بالمعرفة، والتقدم بالعلم، وأن الانتصار الحقيقي لا يتحقق إلا بعقولٍ مستنيرة.

فرغم الدمار الذي طال المدارس والمؤسسات التعليمية، أَبى أهلنا أن تُطمس معالم المعرفة؛ فبين خيام النزوح وتحت أغطية القماش القاسية، اقتطع المعلمون والطلاب من قلب الضيق مساحاتٍ ليصنعوا منها صفوفًا ومجالس للتعليم؛ واجتهدوا ودرسوا وتنقلوا بين الخيام التعليمية؛ هناك حيث يُعلّق اللوح على جذع شجرة أو عمود خيمة، ويجلس الطلبة على التراب متسلحين بدفاتر بسيطة، متطلعين إلى المستقبل بأمل وثبات، ليثبتوا أن العقول المتقدة بالنور لا يمكن أن تُحاصر.

وفي هذه الساعات بعد إعلان النتائج، لم تمنع ظروف النزوح أصوات الزغاريد التي انطلقت تشق صمت التعب وتغطي على أنين الألم، حيث رسمت المشاهد أروع صور التلاحم:

· جسدها التنقل بين الخيام فتحركت العائلات بين أزقة المخيمات والخيام المتلاصقة يتبادلون التبريكات، وكأن المكان قد استحوذ على روح عيدٍ كبير.

· تلاحم القلوب فقد احتضنت الخيام فرحة المهنئين، وتحولت المساحات الضيقة إلى ساحات احتفال تفيض بكبرياء التفوق وعزيمة الاستمرار.

· طارت رسالة إلى العالم لتثبت أن هذا الفرح الجماعي هو برهانٌ على أن هذا الشعب لا يُسلب أمله، وأن البسمة التي تُنتزع من بين أنياب المعاناة هي أبلغ أشكال الانتصار.

وفي هذه اللحظات الجميلة والمميزة برغم الجراح، أبحث عن كلماتٍ تليق بحجم هذه الفرحة لأتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى طلبتنا الأبطال؛ فألف ألف مبارك لكم هذا العبور المجيد! لقد برهنتم أن العزيمة أقوى من كل الظروف، وأن شغفكم بالعلم أصلب من القسوة التي حاصرتكم. نتمنى لكم مزيدًا من التقدم والرفعة في مسيرتكم الأكاديمية والعملية، فأنتم الأمل والمستقبل الذي نراهن عليه.

ورسالاتي ملؤها التقدير إلى الأمهات والآباء العظام: طوبى لقلوبكم الصابرة، ولأيديكم التي زرعت في التربة القاسية وسقت الغرس بدعواتها وثباتها حتى أثمر تفوقًا وشرفًا، فهذه الفرحة هي تاجُ صبركم، وثمرة تعبكم وشموخكم.

إن هذه المحطة ليست النهاية، بل هي شرارة البداية لانطلاقةٍ أعظم! فإلى أبطالنا الناجحين، افتحوا أجنحتكم بثقةٍ وشغف، واستعدوا لارتياد القمم في مدرجات الجامعات؛ فالمستقبل يحتاج إلى علومكم، وإبداعاتكم، وعزائمكم الفولاذية، فأنتم لستم مجرد طلاب، بل أنتم قادة الغد، وبناة القادم الأجمل، وبكم وبسواعدكم المتقدة ستتجدد الحياة وستزهر الأرض من جديد.

سيظل أهلنا في غزة كما عرفهم التاريخ؛ كشجر الزيتون الممتد في أعمق طبقات الأرض، يضرب جذوره في الصخر الصلب، يرتوي بالإصرار، فيخضرّ رغم المأساة، ويورق زاهياً بالرغم من كل شيء، فمبارك لفلسطين هذا الفتح العلمي العظيم، ومبارك لشعبنا في كل المحافظات الفلسطينية هذا الجيل الذهبي الذي يصنع من المستحيل واقعاً، ومن العلم سلاحاً، ومن الوجع مجداً وفرحاً خالداً!


تعليقات