📁آخر الأخبار

قطاع غزة و"القلعة": حين تتحول المؤسسة إلى متاهة، فكيف تكون النجاة؟



نضال احمد جابر جودة
بعد أن تناولنا في مقال سابق "قطاع غزة وبستان الكرز: حين يسقط المجتمع قبل أن تسقط الجدران"، تبدو رواية "القلعة" لفرانتس كافكا مدخلًا جديدًا لقراءة جانب آخر من واقعنا. فإذا كانت مسرحية "بستان الكرز" قد جسدت مجتمعًا عجز عن قراءة التحولات حتى فقد بستانه، فإن "القلعة" تجسد إنسانًا يقف عاجزًا أمام مؤسسة لا يستطيع الوصول إليها، ولا يفهم آلياتها، ولا يعرف كيف تُصنع قراراتها.
كتب كافكا روايته عام 1922، ونُشرت بعد وفاته عام 1926، وبقيت غير مكتملة. ولم يكن عدم اكتمالها مجرد مصادفة أدبية، بل بدا وكأنه انعكاس لفكرة أراد الكاتب ترسيخها؛ وهي أن الإنسان قد يظل أسير منظومة مغلقة لا تمنحه نهاية واضحة، ولا تتيح له فرصة حقيقية لكسر دائرة العبث.
في الرواية يصل البطل "ك." إلى قرية تخضع لسلطة قلعة غامضة، ويحاول أن يجد لنفسه مكانًا داخل منظومة إدارية معقدة، لكنه يصطدم بإجراءات لا تنتهي، ورسائل متناقضة، وقرارات مجهولة المصدر، حتى يصبح الوصول إلى المؤسسة أصعب من أداء المهمة نفسها.
وعندما نتأمل واقع قطاع غزة، لا يصعب علينا أن نلمس بعض الملامح التي تجعل هذه الرواية قابلة للتأمل، لا على سبيل التطابق، وإنما على سبيل المقارنة الفكرية. فكثيرًا ما يجد المواطن نفسه أمام تعدد في المرجعيات، وتشابك في الإجراءات، وتداخل في الصلاحيات، ولجان تتكاثر أكثر مما تتخذ قرارات، حتى يصبح الوصول إلى الخدمة أو الحق أو القرار رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والكرامة.
إن المشكلة ليست في وجود المؤسسات، فالمؤسسات ضرورة لقيام المجتمعات، وإنما في ابتعادها عن رسالتها الأساسية. فعندما تصبح الإجراءات غاية في ذاتها، واللجان بديلًا عن القرار، والبيروقراطية بديلًا عن الإنجاز، تتحول المؤسسة من جسر يعبر به المواطن إلى متاهة يضيع فيها.
غير أن كافكا توقف عند حدود التشخيص، وترك بطله يدور في الحلقة ذاتها؛ فلا القلعة تغيرت، ولا المؤسسة راجعت نفسها، ولا الإنسان استطاع كسر الجدار الذي يفصل بينه وبينها. وكأن الرواية تقول إن الطغيان الإداري، إذا استقر طويلًا، قد يصبح واقعًا مألوفًا يصعب تغييره.
أما نحن، فلا يجوز أن نستسلم لهذه النهاية. فالأدب يصف الواقع، لكنه لا يفرض علينا أن نعيش نهايته. وإذا كانت "القلعة" قد انتهت بطريق مسدود، فإن مسؤوليتنا أن نصنع طريقًا آخر، وأن نحول النقد إلى مشروع إصلاح.
إن النجاة تبدأ حين نعيد الاعتبار للإنسان، فلا يكون المواطن مجرد رقم في سجل، أو ملف ينتظر توقيعًا، بل يكون محور كل سياسة، وكل قرار، وكل خدمة عامة. وتستمر النجاة حين نبني مؤسسات واضحة الصلاحيات، شفافة الإجراءات، خاضعة للمساءلة، وقادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، بعيدًا عن تضخم البيروقراطية وتداخل المرجعيات.
كما أن النجاة تقتضي التحرر من ثقافة الانقسام، والانتقال إلى ثقافة الشراكة، وأن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والنزاهة والاحتياج الحقيقي، لا الولاء أو النفوذ أو المصالح الضيقة. فالمؤسسات لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالعقول والخبرات والإدارة الرشيدة.
وتحتاج غزة كذلك إلى ترسيخ ثقافة النقد المسؤول، فالمراجعة ليست هدمًا للمؤسسات، وإنما هي وسيلة لإنقاذها. كما أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل هو أول خطوة في طريق الإصلاح. فكل مجتمع يملك شجاعة مراجعة نفسه يمتلك في الوقت ذاته القدرة على تجديد مؤسساته واستعادة ثقة مواطنيه.
ولعل الدرس الأعمق الذي تمنحنا إياه "القلعة" هو أن المؤسسة التي تنغلق على نفسها تفقد رسالتها، وأن المجتمع الذي يتوقف عن النقد والمراجعة يفقد قدرته على التجدد. أما المجتمع الذي يجعل الإنسان غاية التنمية، والعدالة أساس القرار، والشفافية منهجًا للعمل، فإنه يملك فرصة حقيقية للخروج من أزماته، مهما بلغت قسوتها.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول، وكل موظف، وكل صاحب قرار، ليس: كيف نحافظ على القلعة؟ بل: كيف نجعل المؤسسة أقرب إلى الإنسان، وأكثر قدرة على تلبية احتياجاته، وأكثر وفاءً لرسالتها؟
هناك فقط، لا يبقى الأدب مرآةً للواقع، بل يصبح مصدرًا لإلهام المستقبل. وهناك فقط، لا تكون "القلعة" قدرًا محتومًا، بل درسًا نتعلم منه حتى لا نكرر أخطاءه، ونصنع لقطاع غزة طريقًا إلى النجاة، لا طريقًا إلى متاهة جديدة.




تعليقات