الانتخابات الداخلية في الحركات السياسية لا تغيّر الأشخاص فقط، بل تكشف اتجاه المرحلة المقبلة. ومن هذه الزاوية، يبدو انتخاب الحية رسالة سياسية قبل أن يكون مجرد تغيير في القيادة. وفي تقديري، فإن الرسالة الأبرز التي يحملها انتخاب الدكتور خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس، هي أن عنوان المرحلة المقبلة سيكون: "لا تراجع ولا استسلام". وإذا صح هذا الانطباع، فإنه يعكس تمسك قيادة الحركة وقاعدتها التنظيمية وعلى الأقل في قطاع غزة بمواصلة النهج الذي بدأته، واعتبار الاستمرار فيه أولوية، رغم الكلفة الإنسانية والسياسية الباهظة التي دفعها الشعب الفلسطيني. ويعزز هذا الاختيار، في تقديري، الانطباع بأن الحركة تتجه إلى ترسيخ النهج الذي اتبعته خلال المرحلة الماضية أكثر من اتجاهها إلى إجراء مراجعات استراتيجية. ولذلك فإن توقع حدوث تحولات سياسية جوهرية، أو تغيير في طريقة إدارة الصراع، يبدو محدوداً في المرحلة الراهنة، في ظل اختيار قيادة تُعرف بتمسكها بالمسار القائم.
ويبدو من دلالات هذا الاختيار أن المراجعات السياسية ليست في صدارة أولويات المرحلة، وأن الاعتبارات العسكرية والتنظيمية ستبقى متقدمة على أي ترتيبات أو تسويات سياسية كنا نرجوها. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام أي قيادة في لحظات الأزمات الكبرى لا يكمن فقط في القدرة على الصمود وتحمل الألم، بل في امتلاك القدرة على قراءة التحولات واتخاذ القرارات التي تحقق أفضل ما يمكن للشعب في ظل الظروف القائمة. فالصمود ليس غاية منفصلة عن الإنسان، بل وسيلة لحماية وجوده وكرامته ومستقبله، وأي مشروع سياسي يفقد بوصلته تجاه الإنسان يصبح بحاجة إلى مراجعة عميقة مهما كانت دوافعه وشعاراته. ولعل ما تحتاجه القضية الفلسطينية اليوم ليس مجرد مراجعة لقرار أو موقف، بل ما يمكن تسميته ب (فقه المراجعات)، وهو فقه يقوم على إعادة تقيم الخيارات والوسائل والسياسات كلما تغيرت موازين القوى أو تبدلت المعطيات والنتائج المتحققة. والبحث عن أنجع السبل لتحقيقها بأقل كلفة ممكنة على الإنسان والقضية. فالثبات يكون على الغايات، أما الوسائل فهي بطبيعتها قابلة للاجتهاد والمراجعة.
وفي تقديري أن ما يُتداول عن تنازلات جوهرية، أو حلّ السلطة الإدارية في قطاع غزة، أو تحولات سياسية كبيرة، لا يبدو حتى الآن مدعوماً بمؤشرات واضحة، بل إن الرسالة الأولية التي يبعث بها هذا الاختيار، وما تلاها من خطاب سياسي، توحي بالتمسك بالنهج القائم أكثر من الإعداد لمرحلة جديدة تقوم على المراجعة وإعادة تقييم الخيارات. ومن هنا يبدوا أن شعار "لا تراجع ولا استسلام" قد لا يكون مجرد تعبير تعبوي، وقد يكون سيد الموقف وعنواناً مرجحاً للمرحلة المقبلة إذا استمرت المؤشرات الحالية على حالها. وإذا صح هذا التقدير، فإن استمرار النهج ذاته قد يعني إطالة أمد المواجهة، وما يرافقها من أعباء إنسانية وسياسية واقتصادية يتحملها أبناء غزة قبل غيرهم. فالمسئولية التاريخية لأي قيادة لا تقتصر على الثبات في المواقف، وإنما تمتد إلى امتلاك الشجاعة الكافية لمراجعة الوسائل كلما تغيرت موازين القوى أو تبدلت المعطيات، بما يحفظ الإنسان ويصون القضية ويعزز فرص تحقيق أهدافها.
وفي التجارب التاريخية، لم تكن قيمة القيادات تُقاس فقط بمدى استعدادها للتضحية، وإنما بقدرتها على الموازنة بين الأهداف والوسائل، وبين الثبات على المبادئ وحماية الناس الذين تمثلهم. فالقيادة في أوقات المحن لا تُختبر فقط في لحظة المواجهة، بل في قدرتها على اتخاذ قرارات صعبة عندما تصبح كلفة الاستمرار أعلى من قدرة المجتمع على الاحتمال. وفي هذا السياق، تستحضر الذاكرة موقفاً خالداً في السيرة النبوية، حين تولى خالد بن الوليد رضي الله عنه قيادة المسلمين في غزوة مؤتة. فبعد استشهاد القادة الثلاثة، لم يُصرّ على مواصلة القتال حتى الفناء، بل أعاد تنظيم الصفوف، واتخذ مناورة عسكرية مكّنته من الانسحاب بالجيش، محافظاً على ما تبقى من القوة البشرية. وقد اعتُبر ذلك إنجازاً عسكرياً وحكمة في إدارة الصراع، لا هزيمة ولا استسلام. إن هذا الموقف يؤكد أن الشجاعة لا تقتصر على الإقدام، بل تشمل أيضاً القدرة على مراجعة الخيارات عندما تتغير موازين القوى، وأن الحفاظ على الإنسان ليس نقيضاً للثبات على المبادئ، بل قد يكون شرطاً لاستمرار المشروع الوطني نفسه.
لا شك أن الدكتور خليل الحية، شأنه شأن كثير من قادة فلسطين، قد دفع أثماناً شخصية باهظة وفقد أفراداً من أسرته خلال الحرب، وهو أمر لا يمكن إنكاره أو التقليل من قسوته. لكن حجم التضحيات الشخصية لا يعفي أي قيادة من مسؤولية المراجعة السياسية، ولا يحجب السؤال المشروع حول أفضل السبل لصون حياة الناس وحماية ما تبقى من المجتمع الفلسطيني. > حلمي ابو طه: ويبقى هذا التقدير قراءةً سياسيةً قابلةً للصواب والخطأ، إذ إن الحكم النهائي لن يكون بنتائج الانتخابات الداخلية، وإنما بالقرارات التي ستتخذها القيادة الجديدة في إدارة الحرب، والتعامل مع الاستحقاقات الوطنية والإنسانية المقبلة. فالأفعال وحدها هي التي ستحدد ما إذا كان انتخاب الدكتور خليل الحية يمثل استمراراً للنهج السابق، أم بداية لتحول مختلف. فالأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، وإنما أيضاً بقدرتها على التعلم من التجارب، وإعادة تقييم المسارات، واتخاذ القرارات التي تحفظ الإنسان والأرض والقضية معاً. فالمراجعة ليست استسلاماً، كما أن الانسحاب التكتيكي ليس هزيمة، وإنما قد يكون في لحظة معينة أعلى درجات الحكمة السياسية والعسكرية.
