📁آخر الأخبار

تفكيك الحرب بريشة فلسطينية.. قراءة فنية وأدبية في لوحة كمال صبح الفائزة بجائزة السوربون


بقلم / شريف الهركلي
لا تنتصر الأعمال الفنية الكبرى لأنها جميلة فحسب، بل لأنها قادرة على مساءلة الواقع وكشف ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة لوحة الفنان والروائي الفلسطيني كمال صبح، الفائزة بجائزة السوربون في باريس، باعتبارها نصاً بصرياً مفتوحاً على التأويل، وصرخة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة لتخاطب جوهر الإنسان في مواجهة الحرب.

من النظرة الأولى لا يبدو الجسد المركزي في اللوحة جسداً بشرياً مكتمل الملامح، بل كياناً هجيناً تتداخل فيه الأغصان والجذور والتكوينات العضوية، وكأن الفنان يعيد تشكيل الإنسان بوصفه ذاكرةً وطبيعةً وتاريخاً وألماً متراكماً في آن واحد. هنا لا يعود الجسد مجرد كتلة بيولوجية، بل يصبح أرشيفاً بصرياً يحمل آثار الحياة والموت معاً.

وفي داخل هذا الجسد المتشعب تختبئ وجوه صغيرة متداخلة، تظهر وتختفي في الوقت نفسه، وكأنها أرواح الضحايا أو شظايا الذاكرة الإنسانية التي خلفتها الحروب. إنها وجوه لا تصرخ، لكنها تترك في المتلقي صدىً عميقاً، وكأن الفنان يقول إن الحرب لا تقتل الأجساد فقط، بل تترك داخل الإنسان مقبرة من الذكريات والأحلام المكسورة.

أما الرأس الحلزوني فيمثل أحد أكثر عناصر اللوحة كثافةً في المعنى. فهو يبدو كدوامة لا تنتهي من التفكير والصدمة والبحث عن تفسير لما حدث. إنها صورة للوعي الإنساني حين يحاول فهم العبث، وللذاكرة حين تدور حول جراحها دون أن تجد مخرجاً نهائياً. الرأس هنا ليس مركز العقل فقط، بل متاهة الأسئلة الكبرى التي تتركها الحروب خلفها.

وتأتي الخلفية الداكنة لتمنح العمل بعداً وجودياً عميقاً. فالفراغ المحيط بالجسد يوحي بالعزلة واللايقين والخسارة، بينما يبرز الكيان المركزي مضيئاً ومتشبثاً بالحياة، كأن النور نفسه فعل مقاومة في مواجهة العتمة. وفي هذا التناقض البصري ينجح الفنان في خلق حالة من التوتر الجمالي بين الفناء والبقاء.

أما الأغصان والجذور الممتدة من الجسد فتبدو أشبه بشبكة عصبية أو شرايين للحياة، تتفرع في كل اتجاه رغم الخراب. وهي تحمل دلالة مزدوجة؛ فمن جهة تعبر عن الألم المتشعب الذي تتركه الحروب، ومن جهة أخرى ترمز إلى قدرة الإنسان على التجدد والاستمرار. فالجذور لا تنمو إلا لأنها متمسكة بالأرض، والإنسان لا ينهض إلا لأنه يحمل أملاً يتجاوز المأساة.

ومن هنا تتجلى العلاقة العميقة بين اللوحة وعنوان المؤتمر الدولي الذي اختيرت له: "تفكيك الحرب". فالعمل لا يقدم مشهداً عسكرياً تقليدياً، ولا يعرض أسلحة أو دبابات أو ساحات قتال، بل يتجه مباشرة إلى ما هو أبعد وأخطر؛ إلى الخراب الذي تزرعه الحرب داخل النفس البشرية. إن الحرب في هذه اللوحة ليست حدثاً سياسياً أو عسكرياً فقط، بل عملية تفكيك للوعي والهوية والذاكرة والوجود الإنساني ذاته.

وفي هذا تكمن قوة الفن الحقيقي. فالفنان لا يشرح الحرب، بل يكشف آثارها الخفية. ولا يرفع الشعارات، بل يترك الرموز تتحدث بلغتها العميقة. ولذلك فإن فوز كمال صبح لا يمكن النظر إليه باعتباره إنجازاً شخصياً فحسب، بل هو انتصار للفن الفلسطيني الذي أثبت مرة أخرى قدرته على الوصول إلى المنابر العالمية عبر الإبداع والمعرفة والجمال.

لقد كانت فلسطين، وما زالت، تنتج أشكالاً متعددة من المقاومة؛ مقاومة بالكلمة، ومقاومة بالصورة، ومقاومة باللون. وإذا كانت البندقية تدافع عن الأرض، فإن الفن يدافع عن الذاكرة والإنسان والرواية. ولهذا يبقى الفن إحدى أكبر ساحات النضال الفلسطيني محلياً وإقليمياً ودولياً، لأنه يخاطب الضمير الإنساني بلغة يفهمها الجميع.

أمام هذه اللوحة لا نقف فقط أمام عمل فني متقن، بل أمام تجربة إنسانية وفلسفية عميقة نجحت في تفكيك شيفرات الحرب وإعادة تركيبها بصرياً. إنها لوحة تستحق أن تُقرأ كما تُشاهد، وأن تُتأمل كما تُناقش، وأن تُرفع لها القبعات لأنها حولت الألم إلى جمال، والخراب إلى معنى، والمعاناة إلى رسالة إنسانية وصلت من رفح إلى السوربون.
تعليقات