📁آخر الأخبار

الشباب بين شعار التمكين... وندرة الفرص.. بقلم / حلمي أبو طه


قلما يحظى مفهوم في الخطاب المعاصر بما يحظى به مفهوم "تمكين الشباب "من حضور وتكرار، حتى أصبح أحد أكثر المصطلحات تداولاً في الخطاب السياسي والاجتماعي والتنموي خلال العقود الأخيرة. فلا تكاد تخلو استراتيجية حكومية، أو خطة تنموية، أو مؤتمر شبابي، أو وثيقة صادرة عن مؤسسة دولية من التأكيد على أهمية الشباب وضرورة إشراكهم في صناعة القرار. ومع ذلك، فإن المفارقة الكبرى تكمن في اتساع الفجوة بين كثافة الحديث عن الشباب وبين حضورهم الفعلي في مواقع التأثير وصناعة السياسات. فكلما ارتفعت الأصوات المنادية بتمكينهم، ازدادت المؤشرات التي تدل على استمرار تهميشهم وإبقائهم على هامش المشهد العام. فالمشكلة لا تبدأ من ضعف الفرص المتاحة للشباب فحسب، بل من غياب تعريف واضح ومتفق عليه لمفهوم "الشباب "نفسه. فحين يصبح المفهوم فضفاضاً وغير محدد المعالم، تصبح السياسات والبرامج المبنية عليه عرضة للتناقض والارتباك. في كثير من الأحيان يتحول الشباب إلى عنوان عام يستخدم في الخطابات والشعارات أكثر مما يمثل فئة حقيقية تمتلك حقوقاً وفرصاً ومكانة واضحة داخل المجتمع. وتظهر الإشكالية بصورة أكثر وضوحاً عندما نلاحظ أن كثيراً من المتحدثين باسم الشباب أو الممثلين المفترضين لهم قد تجاوزوا سن الشباب منذ سنوات طويلة، بل وربما منذ عقود. ولا تتوقف المشكلة عند حدود تجاوز العمر، بل تمتد إلى ما يمكن وصفه باحتكار تمثيل الشباب. فقد نشأت ظاهرة تتمثل في بقاء أشخاص بعينهم متحدثين باسم الشباب لسنوات طويلة، حتى بعد مغادرتهم الفعلية لهذه المرحلة العمرية. ففي هذا السياق، تبرز بعض النماذج المؤسسية التي تعتمد في تشكيل مجالس إدارتها على شخصيات ذات خبرات أكاديمية ومهنية رفيعة، وهو ما يسهم في تعزيز جودة القرار المؤسسي. غير أن هذا التوجه يفتح مساحة للنقاش حول موقع الشباب داخل بنية القرار نفسه، وليس فقط داخل الخطاب العام حولهم. ومع مرور الوقت يُصبح الشباب الحقيقيون غائبين عن مواقع التعبير والتأثير. وهكذا يتحول تمثيل الشباب من فرصة لتجديد الحياة العامة، إلى حالة من إعادة إنتاج النخب ذاتها تحت عناوين مختلفة. يحدث ذلك في الأحزاب السياسية، والنقابات، والمؤسسات الأهلية، وبعض المجالس والهيئات التي تحمل في اسمها وصف "الشباب". وهكذا تبرز إشكالية حقيقية تتعلق بشرعية تمثيل الشباب وحدود التفويض الممنوح لمن يتحدثون باسمهم، خاصة عندما يغيب الشباب أنفسهم عن مواقع التعبير والتأثير. لقد حاولت المؤسسات الدولية تقديم تعريفات عمرية للشباب، حيث تُعرّف الأمم المتحدة الشباب بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين من العمر، بينما تعتمد بعض الدول والمؤسسات حدوداً عمرية أوسع قد تمتد إلى الثلاثين أو الخامسة والثلاثين عاماً، وأحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك. إلا أن هذه التعريفات العمرية، على أهميتها الإحصائية، لم تنجح في حسم الجدل، لأن مفهوم الشباب لا يرتبط بالعمر البيولوجي وحده، بل يتأثر أيضاً بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. من هذا المنطلق، أميل إلى النظر إلى الشباب باعتبارهم الفئة العمرية الممتدة من الخامسة عشرة إلى الثالثة والثلاثين من العمر، وهي المرحلة التي ينتقل خلالها الإنسان من طور التكوين إلى طور النضج والمشاركة الكاملة في الحياة العامة. ويمكن التمييز داخل هذه الفئة بين ثلاث مراحل متدرجة؛ الأولى هي مرحلة "الفتوة" وتمتد من الخامسة عشرة إلى الثامنة عشرة، حيث تتشكل الشخصية وتتبلور القيم والاتجاهات الأساسية وتبدأ ملامح الوعي الاجتماعي والوطني بالظهور. والثانية هي مرحلة "الشباب المبكر" وتمتد من الثامنة عشرة إلى الرابعة والعشرين، وفيها ينتقل الفرد إلى فضاءات أوسع من التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية واكتشاف القدرات الذاتية. أما المرحلة الثالثة فهي "مرحلة نضوج الشباب" وتمتد من الرابعة والعشرين إلى الثالثة والثلاثين، حيث تتراكم الخبرات وتتسع المسؤوليات وتتبلور القدرة على المبادرة والقيادة وصناعة القرار. ولا يأتي هذا التقسيم من اعتبارات عمرية مجردة، بل من ملاحظة طبيعة التحولات التي يمر بها الفرد في مجتمعاتنا المعاصرة، حيث باتت سنوات التعليم أطول، وأصبح الاستقلال الاقتصادي وتكوين الأسرة وتحمل المسؤوليات العامة يتحقق في أعمار متأخرة نسبياً مقارنة بالمجتمعات التقليدية. كما أن هذا التصور يتيح فهماً أكثر دقة لتمثيل الشباب داخل المؤسسات والهيئات المختلفة، بحيث يراعي التدرج في الخبرة والنضج دون أن يحرم الفئات الأصغر سناً من فرص التعلم والمشاركة. وفي هذا السياق، يمكن أن يستند توزيع المساحات التمثيلية للشباب إلى تخصيص ما يقارب 10% لمرحلة الفتوة بهدف التعلم واكتساب الخبرة، و35% لمرحلة الشباب المبكر، و55% لمرحلة نضوج الشباب باعتبارها الأكثر قدرة على الجمع بين الحيوية والخبرة والجاهزية لتحمل المسؤولية.
وهكذا يصبح مفهوم الشباب متغيراً اجتماعياً وتنموياً يرتبط بالأدوار والمسؤوليات بقدر ارتباطه بالعمر الزمني، لا مجرد رقم يُسجل في بطاقة الهوية. ربما يساعد التاريخ نفسه على فهم هذه الحقيقة بصورة أوضح، فعند العودة إلى التاريخ نجد أن أغلب التحولات الكبرى التي شهدتها البشرية ارتبطت بدور الشباب بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتكاد هذه الحقيقة تتكرر في مختلف التجارب التاريخية. فالحركات الوطنية وحركات التحرر والإصلاح الاجتماعي في أنحاء العالم انطلقت غالباً من أجيال شابة امتلكت الجرأة على التفكير المختلف والاستعداد لتحمل المخاطر. وحتى في التجربة الفلسطينية المعاصرة، كان الشباب في مقدمة الفاعلين في تأسيس الحركات الوطنية وقيادة الانتفاضات والمبادرات المجتمعية. ولم يكن دورهم مقتصراً على التنفيذ، بل شاركوا في صياغة الرؤى وبناء المشاريع الوطنية، الأمر الذي يؤكد أن الشباب كانوا دائماً شركاء في صناعة التاريخ لا مجرد متلقين لنتائجه. ولعل قراءة التاريخ تكشف حقيقة مهمة مفادها أن المجتمعات التي أتاحت المجال أمام الأجيال الجديدة للتعبير والمشاركة والتجريب كانت أكثر قدرة على التجدد والاستمرار، بينما عانت المجتمعات التي احتكرت فيها الأجيال الأكبر مواقع القرار من الجمود والتراجع وفقدان القدرة على مواكبة المتغيرات. ومن زاوية الإدارة الحديثة، فإن المؤسسات الناجحة لا تنظر إلى الشباب باعتبارهم فئة تحتاج إلى الرعاية فقط، وإنما باعتبارهم مورداً استراتيجياً يمثل مستقبل المؤسسة واستدامتها. فالإدارة المعاصرة تقوم على مبدأ الإحلال والتجديد وتداول المسؤوليات وصناعة الصفوف القيادية المتعاقبة. ولذلك فإن المؤسسات التي تفشل في إعداد قيادات شابة تكون في الواقع قد بدأت رحلة الشيخوخة التنظيمية حتى وإن بدت قوية في ظاهرها. وتشير دراسات الإدارة إلى أن التنوع العمري داخل المؤسسات يرفع من مستوى الإبداع والابتكار وجودة اتخاذ القرار. فالشباب غالباً ما يمتلكون قدرة أكبر على التعامل مع التقنيات الحديثة والتكيف مع المتغيرات السريعة، بينما تمتلك الأجيال الأكبر خبرات تراكمية مهمة. وعندما يجتمع العنصران ضمن معادلة متوازنة يتحقق التكامل المطلوب. أما عندما يحتكر طرف واحد مواقع القرار فإن المؤسسة تخسر جزءاً من طاقتها الحيوية. وفي الواقع العربي والفلسطيني تحديداً، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. فالشباب يشكلون نسبة كبيرة من السكان، إلا أن حضورهم في مراكز اتخاذ القرار لا يعكس وزنهم الديمغرافي الحقيقي. وبينما تتحدث البرامج والخطط عن تمكين الشباب، تظل المساحات المتاحة أمامهم محدودة، وغالباً ما تقتصر مشاركتهم على الأدوار التنفيذية أو الرمزية، في حين تبقى المواقع المؤثرة خاضعة لمنطق الأقدمية أو الاعتبارات التقليدية. وتتجلى المشكلة كذلك في الخلط بين تمكين الشباب واستقطاب عدد محدود منهم إلى مواقع محددة. فالتمكين الحقيقي لا يقاس بعدد الصور التذكارية ولا بعدد المؤتمرات والورش التدريبية، وإنما يقاس بمدى قدرة الشباب على التأثير الفعلي في السياسات والقرارات والموارد والفرص. كما يقاس بوجود مسارات واضحة تتيح انتقال الكفاءات الشابة إلى مواقع القيادة وفق معايير الكفاءة والاستحقاق. ومن منظور جغرافي سكاني وتنموي، فإن المجتمعات التي تستثمر في شبابها تمتلك قدرة أكبر على استثمار مواردها وموقعها وإمكاناتها. فالثروة الحقيقية لأي دولة ليست فقط في أرضها أو مواردها الطبيعية، بل في رأس مالها البشري. لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الاستثمار في التعليم والتدريب والابتكار كان العامل الحاسم في تحقيق نهضتها، رغم محدودية مواردها الطبيعية أو صغر مساحتها الجغرافية. كذلك تمثل المجتمعات الفتية فرصة استراتيجية نادرة، فكلما ارتفعت نسبة الشباب ضمن التركيبة السكانية ازدادت إمكانات النمو والإبداع والإنتاج. ويطلق خبراء التنمية على هذه الحالة مفهوم "العائد الديموغرافي"، حيث تتحول الكتلة الشابة إلى محرك رئيسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. غير أن هذه الميزة لا تتحقق تلقائياً، بل تحتاج إلى سياسات قادرة على تحويل الطاقات البشرية إلى قوة منتجة ومؤثرة. أما استمرار التهميش والإقصاء فيحول هذه الميزة إلى فرصة مهدرة يدفع المجتمع ثمنها لعقود طويلة. وفي الحالة الفلسطينية تزداد أهمية هذه القضية في ظل مجتمع يغلب عليه الطابع الشبابي، وفي ظل تحديات وطنية وتنموية متراكمة تتطلب ضخ أفكار جديدة وقيادات قادرة على التعامل مع واقع شديد التعقيد. لذلك فإن تمكين الشباب لا يرتبط فقط بمسألة العدالة بين الأجيال، بل يرتبط أيضاً بقدرة المجتمع على تجديد أدواته ومؤسساته وتعزيز قدراته على مواجهة التحديات المستقبلية.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة الاحتفاء اللفظي بالشباب إلى مرحلة الاعتراف العملي بدورهم. فالقضية اليوم لا تتعلق بزيادة الحديث عن الشباب، بل بإعادة تعريف موقعهم داخل المجتمع والدولة والمؤسسات. فالمجتمعات لا تشيخ عندما يتقدم أفرادها في العمر، وإنما تشيخ عندما تتوقف عن تجديد قياداتها وأفكارها ونخبها. والشباب ليسوا مجرد فئة عمرية تنتظر دورها في المستقبل، بل هم جزء أصيل من الحاضر وركن أساسي في صناعة الغد. ولذلك فإن معيار نجاح المجتمعات لا يقاس بعدد المرات التي تتحدث فيها عن الشباب، بل بمدى قدرتها على منحهم الفرصة الحقيقية للمشاركة والتأثير وتحمل المسؤولية. وعندما تصبح الكفاءة معياراً للتقدم، وتتحول المؤسسات إلى فضاءات مفتوحة لتداول الأدوار وتجديد القيادات، عندها فقط يغادر تمكين الشباب دائرة الشعارات إلى فضاء الممارسة الفعلية، ويصبح الحديث عنهم حديثاً عن قوة حية تصنع المستقبل بدل أن تنتظر من يصنعه لها.
تعليقات