📁آخر الأخبار

حوار خاص مع المخرج والفنان المسرحي الأستاذ سعيد عيد رائد من رواد المسرح الفلسطيني في غزة — شاهد على حقبة من الإبداع والصمود


غزة – سامي محمود أبوعون

لكلمة "مسرح" في اللغة العربية سِعةٌ في المعنى؛ فهي تُطلق على مسرح العمليات العسكرية، وعلى مسرح الغناء والطرب، وعلى خشبة التمثيل. غير أن الخشبة هي التي تختزل الجوهر.

على تلك الخشبة يجتمع فريق من الممثلين ليُجسّدوا رواية أمام جمهور جاء يبحث عن لحظة يغسل فيها تعب يومه — ينغمس في الأحداث، وينسى لبرهة ثقل الواقع. وهذا الجمهور ينقسم في ذائقته بين من يميل إلى الكوميديا، ومن يُفضّل الروايات التي تحاكي أحداثاً تاريخية أو إنسانية كبرى.

والحقيقة أن كلا المسارين يصبّان في مجرى واحد: نقل ثقافة مستمدة من الواقع ومن التاريخ، ورسالة تصل إلى المتفرج لتُنبّهه إلى ما يجري من حوله — محلياً وعالمياً. فالمسرح ليس ترفاً، بل فعلٌ وعيٍ له قواعده وأخلاقياته التي يحتكم إليها الممثل والمخرج والكاتب على حدٍّ سواء.

ومن هذا المنطلق، كان لقاؤنا مع الفنان المسرحي الأستاذ سعيد عيد، أحد الذين آمنوا بهذه الرسالة وعاشوا تفاصيلها على مدى عقود.


س1: من أين جاءت فكرة المسرح في غزة، وما الهدف من تأسيسه؟

كانت الأعمال المسرحية في غزة عشوائيةً في البداية، ولم تعدُ كونها ضرباً من التسلية، حتى جاء عام 1990 وتشكّلت فرقة "حنظلة" المسرحية، وهي وليدة فكرة شبابية خالصة.

كان أول عمل مسرحي منظم في غزة مسرحية "عرس عروة"، أخرجها الفنان الفلسطيني سعيد البيطار، وقد شاركت في مهرجان المسرح الفلسطيني الأول على خشبة مسرح الحكواتي في القدس.

بعد ذلك أعادت الفرقة تشكيل نفسها بوعي أعمق ورؤية أضح، وانضم إليها عدد من الفنانين الفلسطينيين من أبناء غزة. وفي انتخابات الهيئة الإدارية الجديدة، اختير الفنان سعيد عيد رئيساً للفرقة، إلى جانب كلٍّ من عبد الناصر عيد وحسن الخطيب وبسام أبو جياب.

وانطلقت الفرقة بعدها في تقديم أعمال مسرحية متنوعة تلامس الواقع الفلسطيني سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، ومن أبرز هذه الأعمال: "حنظلة في خطر"، و"عيون قارة"، و"مطلوب حمار".

س2: هل يُفيد المسرح المتفرج معرفياً وثقافياً؟ وأين يقف المسرح العربي من نظيره العالمي؟

المسرح في جوهره ثورةٌ إنسانية؛ يكشف أمراض المجتمع ويناقشها ويسعى إلى تصحيحها. والأعمال التي قدمتها فرقة حنظلة لم تكن ترفاً فنياً، بل مرآةً للواقع الفلسطيني بكل تناقضاته، حتى إن كثيرين لا يزالون يتذكرون تلك الأفكار ويتداولونها.

أما المسرح العربي، فبصراحة: لم يبلغ العالمية بعد، باستثناء بعض الأعمال المصرية التي حملها فنانون كبار أمثال حمدي غيث وعبد الله غيث وسميحة أيوب وأمينة رزق وشكري سرحان.

والسبب أن معظم الحكومات العربية لم تُولِ المسرح الاهتمام الذي يستحقه، وظلت الأعمال المسرحية رهينةَ جهود فردية لا سياسات ثقافية.

س3: هل ثمة مسرحية تلوح في أفقك تعكس الواقع الذي تعيشه اليوم؟

الأفكار لا تشحّ، لكنها محاصرة من جانبين: من الجانب الشخصي، أعاني من ظروف صحية تُعيقني. ومن الجانب العام، أرضنا اليوم لا تصلح لإنبات المسرح.

أصحاب المال الذين يملكون القدرة على الدعم سواء أكانوا مبادرين أم تجاراً— لا يرون في المسرح قيمةً تستحق الاستثمار، بل ربما يستهزئون بالفكرة. وهذا ما يؤلم الفنان في الصميم.

المسرح يحتاج إلى إيمان داخلي حقيقي، ولا يُبنى على موازين الربح والخسارة.

س4: أين تكمن عقبات النهوض بالمسرح الفلسطيني ليكون في مستوى المسرح العالمي؟

المسرح كالشجرة: يحتاج إلى تربة خصبة كي ينمو. والعقول الفلسطينية المبدعة موجودة، لكنها تفتقر إلى الحضانة مالياً وإعلامياً.

الإعلام الفلسطيني لا يُولي المسرح سوى اهتمام هامشي، وكثير من الفنانين مضطرون للعمل اليدوي الذي يُدرّ رزقهم بدلاً من الانصراف للفن.

يُضاف إلى ذلك شحّ العنصر النسائي الضروري لاكتمال الأعمال المسرحية، وندرة الكتّاب الفلسطينيين الذين يُنتجون نصوصاً مسرحية قادرة على دفع المسرح إلى الأمام.

س5: حدّثنا عن واقعك من موقعك مخرجاً وممثلاً وأباً ومواطناً.

سؤال يمسّ العمق. أنا كمواطن أعيش المعاناة التي تعصف بشعبنا في كل تفاصيلها. وكفنان، كانت أمامي رؤية أسعى لتجسيدها، لكنها باتت اليوم كالمسودة غير المكتملة.

الواقع الذي نعيشه ليس واقعاً إنسانياً بأي معنى من المعاني. وما أوجعني أن العالم بأسره أسهم في إيصالنا إلى هنا.

في هذه المرحلة بالذات، لا يستطيع الفنان أن يُعبّر عن نفسه لا فنياً ولا إنسانياً. كل ما يبقى هو الصبر، وغزة أهلٌ له.

س6: النزوح، الجوع، القصف، الخوف — ماذا تعني هذه الكلمات لك كفنان؟

كل مفردة من هذه المفردات تحمل حياةً بأكملها.

النزوح ألمٌ يعرفه من فقد بيته؛ والبيت وطنٌ مصغّر، فإذا رحلت عنه رحل جزء منك لن يعود كما كان.

أما القصف، فهو مشهد يحفر في روح الفنان قبل الإنسان صوتٌ لا يشبهه صوت، وخوفٌ لا يُوصف بكلمات.

والجوع قضية إنسانية في جوهرها عشناها بمرارة حقيقية، لكن الله أعاننا على الصبر.

كل هذه المفردات مجتمعةً تُشكّل حالة انكسار في القلب والعقل معاً. لكن الانكسار ليس النهاية فالفنان يحمل الجرح ليُحوّله يوماً ما إلى فن.


— شكراً للأستاذ سعيد عيد على هذه الشهادة الإنسانية والفنية النادرة —
تعليقات