📁آخر الأخبار

مملكةِ عينيكَ.. بقلم / الشاعرة نداء معين عاشور


في مملكةِ عينيكَ

يا ساكنًا في بؤرةِ العينِ... كأنَّكَ آخرُ ما تبقّى من مدائنِ هذا الضياع، يا أيها الرجلُ الذي لا يتشابهُ مع الرجال، يا لغةً لم تكتشفها المعاجمُ بعد، ويا قصيدةً أكتبُها بدمي... فتزيدُني وجعًا واتساعًا.

في مملكةِ عينيكَ تضيعُ خرائطي، وأفقدُ أسماءَ الجهات، فلا أعرفُ أين ينتهي الشوق، وأين يبدأُ التيه.

أنا لا أحبُّكَ كما تُحبُّ النساءُ الرجال، أنا أحبُّكَ كما تُحبُّ الغاباتُ نارَ الصواعق، وكما يرفضُ النهرُ أن ينسى منابعه، وكما يُصرُّ القلبُ على خفقانه رغم تعبه.

أنتَ... يا من تُشبهُ ملامحُ وجهِهِ في طهارتها دمعةَ الفجر، وفي غموضها قلقَ المرافئ حين ترحلُ السفن.

ما أجملَكَ حين تضحك... فتتناثرُ في صدري زجاجاتُ العطر، وما أقساكَ حين تصمت... فتتحوّلُ الغرفةُ إلى مقبرةٍ صغيرةٍ لأحلامي.

أُراقبُ تفاصيلكَ كراهبٍ يُراقبُ معبدهُ الأخير، أحفظُ خطوطَ يديكَ، وانحناءةَ كتفيكَ، وأحفظُ تلك اللحظاتِ التي تميلُ فيها نحوي... كأنَّكَ ستلمسُ قلبي.

ثم أكتشفُ، أنَّكَ في كلِّ ذلك... كنتَ تمارسُ هوايتكَ المفضلة: الغياب.

يا سيّدي...

إنني أعيشُ معكَ حالةَ الحصارِ التي يفرضُها الفرحُ على الحزن، أحبُّكَ وأنا أعلمُ أنَّ في عينيكَ بحارًا لا ترحم، وأنَّ في شفتيكَ سُمًّا يتغذّى على نبضِ مشاعري.

فلماذا تمنحني الضوء، ثم تُغلقُ كلَّ النوافذ؟

ولماذا توقظُ فيَّ أنوثةً كانت نائمة، ثم تتركني في منتصفِ الليل، أحاورُ وحدتي، وأعدُّ خسائري بصمت؟

أنا لا أطالبُكَ بالحب، فالحبُّ ليس قرارًا يُتَّخذ، ولا قانونًا يخضعُ لحكمةِ العقلاء.

لكنَّني أطالبُكَ بالعدلِ في وجعي، ألا تقطعَ شراييني باسمِ الغرام، وألا تجعلَ مني قصيدةً مكسورةَ الوزن، في ديوانِ حياتِكَ المزدحم.

إنَّ وجعي منك... هو وسامُ الشرفِ الذي أحملهُ على صدري، لكنَّهُ وسامٌ ثقيل، يثقلُ الروح، ويمنعُني من الوقوفِ أمامَ المرآة دون أن أرى وجهكَ محفورًا في عينيَّ، كجريمةٍ لا يغفرها النسيان.

قل لي... يا سارقَ أيامي دون استئذان،

هل كان الحبُّ في قلبي خطيئةً لكي تُعاقبني؟

أم كان قدِّيسًا لكي تُصلبني فوق أعوادِ كبريائك؟

يا وجعي الجميل، يا خيبتي التي لا أستبدلها بكنوزِ العالم، اتركني... أو احترقْ معي.

فأنا لم أعد أحتملُ هذا المكانَ المعلّق بين الوعدِ والخذلان، ولا أحتملُ أن أبقى عاشقةً تنتظرُ من رجلٍ واحدٍ أن يقرّرَ أخيرًا...

هل هو عاشقٌ، أم هو الجلّاد؟
تعليقات