📁آخر الأخبار

غزة وهندسة البقاء: كيف يصنع الفلسطيني الحياة تحت الحصار والحرب؟.. بقلم: د. سالم سعد


حين تضيق الجغرافيا، وتشتد حلقات الحصار، وتتراجع الآفاق السياسية أمام مشهد مفتوح على الحرب والدمار، لا يعود الحديث عن الخيارات السياسية أو الاقتصادية ترفًا فكريًا، بل يتحول إلى سؤال وجودي يتعلق بمعنى الحياة نفسها. ففي قطاع غزة، لم تعد القضية مرتبطة فقط بكيفية إنهاء الأزمة، بل بكيفية الاستمرار في الحياة داخل بيئة صُممت ظروفها لتكون طاردة للحياة ومقوضة لأبسط مقومات البقاء الإنساني.

فالانسداد السياسي لا يتمثل في تعثر المفاوضات أو غياب الاتفاقيات فحسب، بل يتجسد أيضًا في تآكل الثقة بقدرة النظام الدولي على توفير الحماية أو فرض حلول عادلة. وعندما يدرك الإنسان أن المؤسسات الدولية عاجزة عن وقف المأساة، وأن الفاعلين السياسيين غير قادرين على تغيير الواقع، تتراجع رهانات الانتظار لتحل محلها إرادة البحث عن وسائل جديدة للاستمرار والصمود.

في هذا السياق، تظهر ما يمكن تسميته بـ"هندسة البقاء"، وهي مجموعة من الممارسات الفردية والجماعية التي يبتكرها المجتمع لمواجهة ظروف استثنائية تهدد وجوده. إنها ليست مشروعًا تنمويًا بالمعنى التقليدي، بل فعلًا يوميًا يهدف إلى حماية الحياة من الانهيار، والحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الكرامة الإنسانية.

وفي ظل تدمير البنية التحتية وتعطل سلاسل الإمداد ونقص الموارد الأساسية، برزت أنماط معيشية قائمة على إعادة الاستخدام والتدوير القسري. فالحطام يتحول إلى مواد قابلة للاستفادة، والأدوات البسيطة تُوظف لتوفير احتياجات أساسية، فيما تُبتكر حلول محلية بدائية للطاقة والمياه والطهي والتدفئة، تعكس قدرة الإنسان على التكيف مع أقسى الظروف وأكثرها تعقيدًا.

لكن البقاء في غزة لا يعتمد على الحلول المادية وحدها. فعندما تتراجع قدرة المؤسسات الرسمية أو تغيب بالكامل، تتقدم الشبكات العائلية والمجتمعية لتؤدي دورًا حاسمًا في حماية المجتمع. فالتكافل الاجتماعي، وتقاسم الموارد المحدودة، ورعاية الأطفال وكبار السن، ومساندة الأسر المنكوبة، وتقديم أشكال من الدعم الصحي والإغاثي داخل مراكز الإيواء، كلها ممارسات تؤكد أن المجتمع ما زال يمتلك قدرة ذاتية على مواجهة الانهيار ومنع التفكك.

كما أن البعد النفسي والمعرفي للبقاء لا يقل أهمية عن الغذاء والمأوى. فالحفاظ على التوازن النفسي والهوية الثقافية يشكلان جزءًا أساسيًا من معركة الوجود. ومن هنا تبرز أهمية التعليم البديل في الخيام ومراكز الإيواء، واستمرار الأنشطة الثقافية والمعرفية، وإنتاج المحتوى الإعلامي الذي يوثق التجربة الإنسانية ويصون الذاكرة الجماعية. فهذه الجهود لا توفر المعرفة فحسب، بل تحافظ على الإحساس بالإنسانية وسط مشهد يحاول اختزال الإنسان في أرقام وإحصاءات.

ومع ذلك، فإن هذه البدائل لا تمثل حلولًا حقيقية للأزمة. فهي إجراءات اضطرارية ومؤقتة تهدف إلى تقليل آثار الكارثة لا إنهاء أسبابها. ويكمن الخطر في أن يتحول التكيف مع الواقع الاستثنائي إلى شكل من أشكال الاعتياد عليه، فتُخفض معايير الحياة والكرامة الإنسانية تدريجيًا، ويصبح الحد الأدنى من البقاء بديلًا عن الحق الطبيعي في العيش الكريم.

ورغم ذلك، تكتسب هذه الممارسات بعدًا نضاليًا واضحًا. فالإصرار على تعليم الأطفال، وخَبز الخبز، وزراعة ما أمكن من الأرض، والحفاظ على الروابط الاجتماعية، وإعادة بناء مظاهر الحياة اليومية، كلها أشكال من المقاومة المدنية التي تؤكد أن الإنسان الفلسطيني ليس مجرد ضحية للحرب، بل فاعل قادر على إنتاج الحياة ومقاومة محاولات الإلغاء والتهميش.

ومن هنا، فإن البدائل الحياتية في غزة ليست هروبًا من السياسة، بل تعبيرًا عن سياسة من نوع آخر؛ سياسة التمسك بالأرض والهوية والوجود. وهي تذكر بأن الإرادة السياسية الحقيقية لا تبدأ فقط في قاعات المفاوضات أو على طاولات القرار، بل تبدأ أيضًا من قدرة الإنسان على حماية كرامته وصون إنسانيته والاستمرار في الحياة رغم كل الظروف.

إن المسؤولية عن هذا الواقع لا تقع على المجتمع الغزي وحده، بل تمتد إلى المجتمع الدولي وكل الأطراف القادرة على التأثير في مسار الأحداث. فاستمرار الرهان على الوقت أو على منطق القوة وحده لن يفضي إلا إلى مزيد من الخسائر الإنسانية والتفكك الاجتماعي. إن إنقاذ ما تبقى من مقومات الحياة يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع الإنسان في مركز الاهتمام، وتعيد الاعتبار لحق الشعوب في الأمن والكرامة والحياة.

وفي نهاية المطاف، تبقى هندسة البقاء في غزة محاولة يومية لترميم بيت يتداعى تحت وطأة الحرب والحصار، لكنها في الوقت نفسه شهادة حية على قدرة الإنسان الفلسطيني على الصمود والإبداع. وهي تضع العالم أمام سؤال أخلاقي وسياسي لا يمكن تجاهله: هل يُترك سكان غزة ليستمروا في ابتكار وسائل البقاء تحت الحصار والحرب، أم يُمنحون الحق الطبيعي في حياة آمنة وكريمة تليق بإنسانيتهم؟
تعليقات