📁آخر الأخبار

معارك السوشيال ميديا: من يدير الرأي العام ومن يصنع الضجيج؟.. بقلم/ شريف الهركلي


أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للصراعات السياسية والإعلامية، حيث تتداخل الحقائق بالإشاعات، والنقد بالتشهير، والمعلومة بالاستفزاز المتعمد. وفي خضم هذا الواقع يبرز سؤال مهم: هل الرد على حملات التهجم والإشاعات يحقق الغاية المرجوة، أم أنه يمنح المهاجم فرصة أكبر للانتشار؟

في كثير من الأحيان لا يكون هدف بعض الصفحات أو الحسابات تقديم رأي أو معلومة، بل إثارة الجدل وجذب الانتباه عبر مهاجمة الشخصيات العامة أو السياسية. فكل تعليق غاضب، وكل مشاركة بهدف الرد، قد يتحول إلى وسيلة مجانية لزيادة انتشار المحتوى ومنحه زخماً إضافياً بفعل خوارزميات المنصات التي تكافئ التفاعل بغض النظر عن مضمونه.

وهنا تكمن المفارقة؛ إذ قد يعتقد المستهدف أنه يدافع عن نفسه، بينما يساهم عملياً في توسيع دائرة انتشار الرسالة الموجهة ضده. لذلك لا يمكن التعامل مع كل منشور أو تعليق بالمنطق ذاته، فهناك فرق بين إشاعة خطيرة تستوجب التوضيح والرد، وبين استفزاز مقصود هدفه جر الآخرين إلى معركة جانبية.

السياسة الإعلامية الناجحة لا تقوم على الرد على كل ما يُقال، بل على اختيار المعارك التي تستحق المواجهة. فالإشاعات التي تمس الحقائق أو تضلل الرأي العام تحتاج إلى رد سريع وموثق، أما المنشورات التي تعيش على الإثارة والتهكم فقد يكون تجاهلها أكثر فاعلية من الدخول في سجال يمنحها حياة أطول وانتشاراً أوسع.

وفي عالم الاتصال السياسي الحديث، لا تُدار كل المعارك بهدف الإقناع أو كشف الحقيقة، بل إن بعض المعارك الرقمية تُصمَّم أساساً لاستنزاف الخصم وتشتيت اهتمامه عن القضايا الجوهرية، وهو ما يجعل إدارة الصمت أحياناً جزءاً من إدارة الصراع، وليست دليلاً على الضعف أو العجز عن الرد.

كما أن الشخصيات العامة مطالبة بالتمييز بين النقد المشروع الذي يثري النقاش العام، وبين حملات التشويه التي تبحث عن الضجيج والشهرة. فالنقد حق، أما الإساءة المتعمدة فغالباً ما تستمد قوتها من ردود الأفعال التي تثيرها.

لقد تحولت السوشيال ميديا إلى معركة على الانتباه أكثر منها معركة على الحقائق. ومن يفهم قواعد هذه المنصات يدرك أن النجاح لا يقاس بعدد الردود، بل بقدرة الفرد أو المؤسسة على إدارة حضورها بوعي وحكمة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم ليس: هل نرد أم لا نرد؟ بل: من المستفيد من هذا الرد؟ فإذا كان يخدم الحقيقة فهو مطلوب، أما إذا كان سيحول منشوراً هامشياً إلى قضية عامة، فقد يكون الصمت المدروس أبلغ من ألف تعليق. فليس كل ضجيج يستحق المواجهة، وليس كل هجوم يستوجب الرد، لأن الحكمة في زمن السوشيال ميديا لا تكمن في كثرة الكلام، بل في معرفة متى يكون الكلام ضرورة، ومتى يصبح الصمت موقفاً أكثر تأثيراً.
تعليقات