📁آخر الأخبار

غزة بين الحرب والمرض: أنقذوا القطاع الصحي من الانهيار.. أبو شريف رباح



منذ الأشهر الأولى للعدوان الإسرائيلي على غزة تعرض القطاع الصحي لاستهداف ممنهج طال المستشفيات والمراكز الطبية وسيارات الإسعاف وطواقم الدفاع المدني، الأمر الذي أدى إلى تدمير جزء كبير من البنية الصحية وإخراج العديد من المستشفيات عن الخدمة، ومع استمرار الحرب والحصار دخل الوضع الصحي في غزة مرحلة بالغة الخطورة تهدد حياة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف إنسانية قاسية ومعاناة غير مسبوقة.

ومع استمرار العدوان وتوسيع مناطق سيطرة جيش الاحتلال داخل القطاع وتواصل استهداف الأحياء السكنية ومخيمات النازحين وفرض الإخلاءات القسرية، تتفاقم معاناة السكان يوما بعد يوم فقد تحولت مخيمات النزوح المكتظة إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة نتيجة انعدام مقومات الحياة الأساسية وعلى رأسها المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي والخدمات الطبية.

وقد أدى استهداف وتدمير عدد كبير من المستشفيات والمرافق الصحية إلى تعميق الكارثة الإنسانية والصحية في القطاع، فقد تعرضت مستشفيات كبرى في مقدمتها مجمع الشفاء الطبي ومجمع ناصر الطبي ومستشفى شهداء الأقصى والمستشفى الإندونيسي لأضرار جسيمة ومستشفيات أخرى خرجت عن الخدمة بشكل كامل أو جزئي خلال العدوان، ونتيجة لذلك حرم مئات الآلاف من المواطنين من الخدمات الطبية العلاجية وتكدست أعداد كبيرة من الجرحى والمرضى في مستشفيات محدودة الإمكانيات لا تستطيع تلبية الاحتياجات المتزايدة للعلاج.

وفي ظل هذا الانهيار الصحي تشهد مناطق النزوح انتشارا واسعا للأمراض الجلدية والأمراض المعدية وأمراض الجهاز الهضمي والتنفسي خاصة بين الأطفال وكبار السن نتيجة الاكتظاظ الشديد ونقص المياه الصالحة للشرب وتدهور الظروف البيئية، كما باتت آلاف العائلات تعيش وسط أكوام النفايات ومياه الصرف الصحي الأمر الذي ينذر بانتشار أوبئة خطيرة يصعب السيطرة عليها في ظل غياب الإمكانيات الطبية اللازمة.

ويزيد من خطورة المشهد استمرار الحصار وإغلاق المعابر ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية والأجهزة الحديثة اللازمة للمستشفيات ما أدى إلى نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والوقود اللازم لتشغيل الأقسام الحيوية، ونتيجة لذلك يفقد العديد من الجرحى والمرضى حياتهم يوميا بسبب عدم توفر العلاج أو تأخر الحصول على الرعاية الطبية.

ولا تقتصر المعاناة على المصابين والجرحى فحسب، بل تمتد إلى آلاف المرضى الذين يعانون من الأمراض المزمنة كالسرطان وأمراض القلب والفشل الكلوي والسكري، والذين يواجهون مصيرا مجهولا بسبب انقطاع الأدوية وصعوبة الوصول إلى أماكن العلاج كما تعاني النساء الحوامل والأطفال الرضع من ظروف صحية بالغة الصعوبة نتيجة نقص الغذاء والرعاية الطبية اللازمة.

وتشير المعطيات الإنسانية إلى أن سوء التغذية بات يشكل خطرا حقيقيا على حياة الأطفال حيث تتزايد معدلات الهزال ونقص الوزن والأمراض المرتبطة بنقص الغذاء في وقت تعجز فيه المؤسسات الصحية والإنسانية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال المساعدات الإنسانية.

إن ما يجري في غزة ليس أزمة صحية عابرة إنما كارثة إنسانية شاملة تهدد حاضر ومستقبل المجتمع الفلسطيني في القطاع، فاستمرار انهيار المنظومة الصحية وانتشار الأمراض والأوبئة وسوء التغذية من شأنه أن يترك آثارا مدمرة تستمر لسنوات طويلة حتى بعد توقف العدوان الإسرائيلي على القطاع.

وأمام هذه الوقائع المؤلمة تقع على عاتق المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والصحية مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة للتحرك الفوري من أجل إنقاذ سكان القطاع، ويتطلب ذلك الضغط من أجل وقف العدوان وفتح المعابر بشكل دائم وضمان دخول الأدوية والمعدات الطبية والوقود والمساعدات الإنسانية وإعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية التي تعرضت للتدمير.

إن أهالي غزة الذين واجهوا القصف والدمار، يواجهون اليوم حربا صامتة تتمثل في المرض والجوع وانعدام الرعاية الصحية، ومن هنا فإن إنقاذ القطاع الصحي في غزة لم يعد مطلبا إنسانيا فحسب بل واجبا عاجلا لإنقاذ حياة مئات الآلاف من المدنيين الذين يواجهون يوميا خطر الموت بسبب العدوان والحصار وانهيار الخدمات الصحية، وغزة اليوم تصرخ صرخة مدوية وعلى العالم أن يسمعها قبل أن تتحول الكارثة الصحية إلى مأساة أكبر مما هي عليه الآن.
تعليقات