لم أكن أتخيّل أنني سأعيش حربًا أرى فيها أمًّا تُودِّع فلذةَ كبدها دون أن تصرخ أو تنهار، بل كالمعجزة وقفت بصبرٍ، وبقلبٍ ينبض بالوجع والألم، تقف الحروف أمامه عاجزةً عن الوصف.
رأيتُ سيّدةً أخرى لا تملك حتى يقينَ فقدان صغيرها. بذهولٍ تنطق عيناها بسؤالٍ لا جواب له:
أهو حيٌّ في مكانٍ ما؟
أم تحت الركام ينتظر من ينتشله؟
هل أكلته كلابُ الشوارع أم تفترسه ظلمةُ السجن؟!
كلُّ ما تتمناه:
خبر.
أملٌ صغير.
أو جثمانٌ تعانقه مرةً وللأبد...
أيُّ شيءٍ... إلا هذا الانتظار الذي يغرس أنيابه في الروح.
ما أقواهنَّ...
وما أصلبهنَّ...
فالأمومة هنا شيءٌ آخر، شيءٌ لا يشبهه شيء.
وفي زاويةٍ من مشهد العزاء...
رأيتُ طفلةً لم تتجاوز ربيعها التاسع...
كانت مدللةَ الأمس، سيّدةَ الطفولة وأمَّ رفيقاتها الصغيرات، وأمست الليلة عجوزًا رغم أنها لم تتجاوز ربيعها التاسع.
تقف لتتلقى العزاء في أمها ذات السابعة والثلاثين.
بيدٍ تُصافح المعزّين، وبالأخرى تحمل أخاها ذا العامين، الذي صار ابنها، وكأن الزمن قرر أن يسرق طفولتها، ويُلقي بها في عمرٍ لا يخصّها.
فيا أيها الزمن...
كفى عبثًا...
رفقًا بقلبها يا زمن...
رفقًا بأقدارٍ أثقل من أعمار أصحابها.
رفقًا بصوتٍ خُنق قبل أن يُسمع، ووجعٍ دُفن تحت الركام بصمت.
غزة...
يا مدينةً تقاسمتها الجراح، ويا منبعَ الآلام.
هنا تقفين وحدكِ، تُحاصَرين بالحزن، وتُسلب منكِ الحياة، وحولكِ مسرحُ جريمةٍ مكتمل:
أخضرُ يرفض أن يُلقي سلاحه،
وأصفرُ يتنازع العبث،
وأسودُ يراقب بصمت،
وأحمرُ يصفّق لكل موقف.
وأنتِ وحدكِ تدفعين من دمكِ الثمن...
أرضُكِ مجبولةٌ بدم الشهداء،
وسماؤكِ تمطر ركامًا،
وهواؤكِ صار مثقلًا برائحة الموت...
ثم يأتي أبلهُ ليُجمّل الكارثة...
يكتب:
"غزة التي تعيش بين الجرذان تبتسم"
وتأكل قوتَ يومها من طابور المتصدّقين.
لا بأس إن ضاعت أعمارنا كما ضاعت كرامتنا...
ولا بأس إن تبعثرت أحلامنا بيتًا بيتًا...
سحقًا للبيوت التي كانت مأوانا...
لكن...
من يعوّض الوجوه؟
من يعيد الأصوات؟
من يعيد لنا الراحلين؟
لا بأس، عزيزي القارئ، إن أوجعتُ لك رأسك بهلوسات أوجاعي، فالمهم أننا ما زلنا أحياء.
وأمنيتي في هذه الحياة:
جدارٌ فقط، أسند إليه ظهري المتعب.
أريد...
زاويةً تخصّني...
وحياةً تشبه الحياة.
أريد ألّا نُجبر كلَّ يومٍ على النجاة من موتٍ جديد.
أريد حياةً لا نضطر فيها أن نفقد... دون أن نُسحق.
أريد تلك الحياة التي قال عنها محمود درويش حين صرخ:
«على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
