في قلب رام الله، وعلى بُعد أمتار من ثكنات الاحتلال، أتمّت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" عرسها الديمقراطي الثامن، مُثبِتةً أنها حركة تحررية حيّة تُجدّد نفسها بنفسها وسط أقسى الظروف. أعلنت رئاسة المؤتمر النتائج الرسمية لانتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري، في حدث تنظيمي لم تشهده الساحة الفلسطينية منذ عشر سنوات. يتناول هذا المقال مسيرة هذا المؤتمر ودلالاته وما حمله من رسائل داخلية وخارجية.
أولاً: ستة عقود من الديمقراطية الداخلية
منذ مؤتمرها التأسيسي الأول عام 1964 في دمشق، أرست حركة فتح تقليداً راسخاً: أن التجديد القيادي حق تنظيمي لا مِنحة. كان هذا المؤتمر ثالث مؤتمر تعقده الحركة فوق التراب الفلسطيني، بعد المؤتمر السادس في بيت لحم 2009 والسابع في رام الله 2016، وهو في حد ذاته رسالة سيادية: فتح تنتخب قادتها في وطنها المحتل، لا في المنافي.
وقد جاء المؤتمر وفيّاً لثوابت الحركة؛ إذ أعاد الرئيس محمود عباس التأكيد على التمسك بالمسار السياسي ورفض العنف والالتزام بالإصلاحات، مع التعهد بفتح المجال أمام الشباب والمرأة لتولي مواقع قيادية.
ثانياً: المؤتمر أرقاماً — حجم الحدث
بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 94.64% من بين 2595 أعضاء المؤتمر، تنافس منهم 59 عضواً على 18 مقعداً في اللجنة المركزية و450 عضواً على 80 مقعداً في المجلس الثوري. هذه الأرقام بمثابة تعبير عن عمق الانتماء لحركة تظل الأكثر تمثيلاً في الجسم الفلسطيني.
جرى الفرز بالطريقة الورقية الكاملة، حيث شُكِّلت لجنة انتخابات من 31 عضواً في رام الله وثلاثة أعضاء في كل ساحة. وقد توزّع أعضاء المؤتمر على أربع ساحات — رام الله وغزة والقاهرة وبيروت — في دلالة على أن فتح حركة كل فلسطيني أينما حلّ.
ثالثاً: اللجنة المركزية — خريطة القيادة الجديدة
نتائج الصندوق
جاءت قائمة الفائزين وفق الترتيب التالي: مروان البرغوثي، وماجد فرج، وجبريل الرجوب، وحسين الشيخ، وليلى غنام، ومحمود العالول، وتوفيق الطيراوي، وياسر عباس، وتيسير البرديني، وزكريا الزبيدي، وأحمد أبو هولي، وأحمد حلس، وعدنان غيث، وموسى أبو زيد، ودلال سلامة، ومحمد المدني، ومحمد اشتية، وإياد صافي.
صوت الأسير في أعلى القائمة
حصل مروان البرغوثي على 1879 صوتاً، تلاه ماجد فرج بـ1861 صوتاً، ثم جبريل الرجوب بـ1609 أصوات، وحسين الشيخ بـ1570 صوتاً.
تصدّر الأسير القائد مروان البرغوثي قائمة الفائزين للمرة الثالثة على التوالي رغم استمرار اعتقاله في سجون الاحتلال. هذا الفوز المتكرر ليس مجرد تعبير عاطفي؛ إنه موقف سياسي جمعي يُكرّسه أعضاء المؤتمر في كل دورة. فقد فاز البرغوثي بعضوية اللجنة المركزية في المؤتمرات السادس والسابع والثامن بأعلى الأصوات، وهو أسير يُصوّت له أحرار، معادلة تقول إن فتح لا تفصل بين النضال والقيادة.
دم جديد في القيادة
شهدت القائمة دخول وجوه جديدة إلى الخارطة القيادية العليا للحركة، وكان من أبرز هؤلاء الفائزين: اللواء ماجد فرج رئيس جهاز المخابرات العامة، والأسيران المحرران زكريا الزبيدي وتيسير البرديني، وليلى غنام محافظة رام الله، وإياد صافي من غزة.
غزة في قلب القيادة
من أبرز ما حمله هذا المؤتمر توسيع تمثيل غزة في اللجنة المركزية إلى أربعة أعضاء: أحمد حلس، وأحمد أبو هولي رئيس دائرة شؤون اللاجئين، وتيسير البرديني، وإياد صافي، الذي يمثل جيلاً شاباً انتقل مباشرة من المجلس الثوري إلى اللجنة المركزية.
هذا التمثيل رسالة واضحة: غزة ليست "مشكلة" تُعالَج من الخارج، بل شريك أصيل في صنع القرار. والحضور الغزاوي في قلب القيادة يُعزز المسار نحو إنهاء الانقسام وإعادة توحيد الساحة الفلسطينية تحت راية المشروع الوطني الجامع.
خامساً: المجلس الثوري — المرأة تتصدر التاريخ
لأول مرة في تاريخ حركة فتح، تصدّرت المرأة قوائم الفائزين في عضوية المجلس الثوري؛ إذ حصلت دلال صائب عريقات على أعلى الأصوات وهي تخوض التجربة الانتخابية للمرة الأولى، تلتها فدوى البرغوثي، فيما حصل حسن فراج ممثل جيل الشبيبة على المركز الثالث.
هذه النتيجة ليست صدفة؛ إنها ثمرة ثقافة تنظيمية تنضج داخل الحركة. دلال عريقات تحمل اسم والدها الراحل صائب عريقات، المفاوض الفلسطيني الأشهر الذي أفنى عمره في خدمة القضية، وها هي تحمل الأمانة في مؤسسة أبيها التنظيمية. واشتملت قائمة الثمانين فائزاً على أسماء أسرى محررين ومحافظين وكوادر من جيل الوسط والشباب.
سادساً: دلالات المشهد — قراءة تنظيمية
رأت الباحثة الدكتورة رهام عودة أن نتائج المؤتمر عكست حالة من التوازن داخل الحركة، عبر المزج بين تجديد القيادة والحفاظ على التنوع التنظيمي والسياسي، وأن المؤتمر حمل مؤشرات على إعادة ترتيب البيت الفتحاوي استعداداً للمرحلة السياسية المقبلة.
والواقع أن ما شهده هذا المؤتمر يمكن قراءته في ثلاثة محاور:
أولها: أن التجديد حقيقي ووازن؛ دخول تسعة أعضاء جدد إلى اللجنة المركزية يعني أن أكثر من نصف الجسم القيادي الأعلى قد تجدد، وهو رقم لا تستطيع حركات كثيرة في المنطقة تحقيقه.
وثانيها: أن الشبيبة والمرأة حضرتا بقوة في المجلس الثوري، مُجسِّدَتَين التوجه الاستراتيجي للحركة نحو توسيع قاعدة المشاركة.
وثالثها: أن حضور أسرى محررين في هيئتين قياديتين دفعةً واحدة يُرسّخ معنى عميقاً: فتح لا تنسى جنودها، وجنودها لا يتركون فتح.
سابعاً: على طريق المرحلة القادمة
من المتوقع أن تجتمع اللجنة المركزية الجديدة في غضون أيام لتوزيع المهام واختيار أمين سر جديد للجنة ونائب لرئيس الحركة.
أمام هذه القيادة استحقاقات كبرى: إنهاء الانقسام وإعادة غزة إلى كنف الشرعية الوطنية، وتفعيل مسار الانتخابات العامة الذي تعهد به الرئيس، وتعزيز دور منظمة التحرير في المحافل الدولية. وتأمل القيادة أن تسهم هذه التغييرات في تمكين السلطة من مواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة، بما في ذلك ملف إدارة قطاع غزة وإعادة الإعمار.
المؤتمر الثامن انتهى، لكن مشروعه الحقيقي يبدأ الآن: حركة تحررية تُثبت كل عشر سنوات أنها ما زالت تنتخب وتتجدد وتواجه، وهذا وحده كافٍ لأن يبقى اسم فتح محفوراً في قلب الرواية الفلسطينية.
عضو الهيئة الإدارية للاتحاد العام لطلبة فلسطين فرع تونس
