📁آخر الأخبار

خارطة الطريق ومستقبل غزة المجهول.. بين منطق الأمن الدولي وحق الفلسطيني في الحياة والسيادة


بقلم: شريف الهركلي

في خضم واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ القضية الفلسطينية، عاد اسم نيكولاي ملادينوف إلى الواجهة عبر طرح ما سُمّي بـ”خارطة الطريق” الخاصة بمستقبل قطاع غزة، والتي تتكون من خمسة عشر بندًا موزعة على أربعة محاور رئيسية: المبادئ الأساسية، الأمن والنظام العام، القوة الدولية، ثم إعادة الإعمار والتنمية.

ظاهريًا، تبدو الخطة محاولة دولية لإعادة ترتيب المشهد الغزي بعد سنوات الحرب والانقسام والدمار، لكنها في العمق تثير أسئلة سياسية وفلسفية ووطنية عميقة تتعلق بطبيعة الحل المطروح، وحدود العدالة فيه، ومن يتحمل أصلًا مسؤولية الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.

إن أي قراءة واقعية لهذه الخارطة لا يمكن أن تتم بمعزل عن حقيقة أساسية، وهي أن قطاع غزة ليس مجرد “ملف أمني” يحتاج إلى إعادة ضبط، بل هو جزء من أرض فلسطينية واقعة تحت الاحتلال وفق القانون الدولي. ومن هنا تبدأ الإشكالية الجوهرية في الخطة؛ إذ إنها تتعامل مع نتائج الأزمة أكثر من تعاملها مع جذورها السياسية والتاريخية.

فعندما تتحدث الخارطة عن “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”، فإنها تطرح مفهوم الدولة قبل إنهاء الاحتلال، وتناقش مسألة السلاح الفلسطيني دون تقديم ضمانات حقيقية تلزم الاحتلال الإسرائيلي بوقف اعتداءاته أو إنهاء سيطرته العسكرية والاقتصادية على القطاع والمعابر والحدود والأجواء. وهذا يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل المطلوب نزع أدوات القوة الفلسطينية مقابل وعود سياسية غير مضمونة؟

الخطة كذلك تربط إعادة الإعمار بتحقيق “الاستقرار الأمني”، وهي معادلة قد تبدو منطقية في الأدبيات الدولية، لكنها بالنسبة للفلسطيني الذي فقد منزله وأطفاله ومصدر رزقه، تبدو أقرب إلى سياسة “الإعمار المشروط”، حيث يتحول الحق الإنساني في الحياة والسكن إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية.

أما البند المتعلق بنشر قوة دولية للاستقرار، فيحمل أبعادًا معقدة. فمن جهة، قد يُنظر إليه كآلية لمنع الفوضى والانهيار الداخلي، ومن جهة أخرى يثير مخاوف من تكريس شكل جديد من الوصاية الدولية على غزة، خصوصًا إذا غابت المرجعية الوطنية الفلسطينية الجامعة، وتحولت القوة الدولية إلى أداة لإدارة الأزمة بدل إنهائها.

الأخطر في هذه الخارطة أنها تتحدث بتفصيل كبير عن التزامات الفلسطينيين، بينما تبدو التزامات الاحتلال الإسرائيلي فضفاضة وعامة. فالانسحاب الإسرائيلي الوارد في الخطة “تدريجي ومشروط”، دون وجود جدول زمني واضح أو ضمانات دولية ملزمة، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجارب سياسية سابقة بقيت رهينة المزاج الإسرائيلي والتوازنات الدولية.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل الخارطة قابلة للتطبيق؟ بل: هل هي عادلة أصلًا؟

فالعدالة السياسية لا تُقاس فقط بوقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار، بل بإعادة الاعتبار لحقوق الشعب الفلسطيني كاملة، وفي مقدمتها حقه في الحرية والسيادة وتقرير المصير. وأي مشروع يتجاوز هذه الحقيقة سيبقى مشروع إدارة أزمة، لا مشروع حل تاريخي.

إن غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى إسمنت يعيد بناء المنازل، بل إلى رؤية سياسية تعيد بناء الإنسان الفلسطيني وثقته بمستقبله الوطني. فالشعوب لا تُختزل في ترتيبات أمنية، والقضية الفلسطينية أكبر من أن تُدار بمنطق “التهدئة مقابل الحياة”.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن مستقبل غزة لا يمكن أن يُصنع بعيدًا عن الإرادة الفلسطينية الحرة، ولا عبر معادلات دولية تتجاهل جوهر الصراع المتمثل في استمرار الاحتلال.

فإما أن تكون خارطة الطريق بداية لمسار سياسي عادل يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية، أو تتحول إلى هدنة مؤقتة فوق ركام مدينة أنهكتها الحروب، بينما يبقى مستقبلها الحقيقي معلقًا بين وعود السياسة ومجهول الميدان.
تعليقات