غزة - في الحرب لا تُصاب الأجساد فقط، بل تُختبر الأرواح أيضًا ،في أحد أيام الحرب الثقيلة، سقط العداء محمد العبيد مصابًا، لتبدأ معه رحلة قاسية لم يعرف خلالها سوى الألم والصبر. لكن الإصابة لم تكن وحدها جرحه الأكبر؛ فقد خطفت الحرب والديه وعددًا من أفراد أسرته، تاركة في قلبه وجعًا لا يُوصف.
عام كامل قضاه العداء العبيد بين الجدران البيضاء، جليسًا للفراش، وصديقًا للعكازات، يراقب المضمار من بعيد بعدما كان واحدًا من أفضل 3 لاعبين واعدين في قطاع غزة.
كان يرى العداء العبيد حلمه يبتعد يومًا بعد يوم، فيما العلاج طويل، والوجع أكبر من الكلمات.
وقبل 15 يومًا فقط، أزال البلاتين من قدمه المصابة، وبدأ رحلة العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، رغم أن الطبيب أكد أن العودة إلى العدو تحتاج 6 أشهر على الأقل.
كان كل شيء يشير ا إلى أن الوقت لم يحن بعد للعداء العبيد ، المشاركة في ماراثون فلسطين الدولي لما له من مخاطرة كبيرة على صحته ،لكن محمد كان يحمل في داخله معركة أكبر من الإصابة، وإيمانًا عميقًا بأن الحلم لا يجب أن يتوقف.
وفي هذا السياق، قال رئيس أكاديمية المستقبل لألعاب القوى ومدرب العداء محمد العبيد، الكابتن سمير النباهين:"كنت أرفض تمامًا مشاركة محمد في الماراثون، خوفًا عليه من أي انتكاسة قد تعيده إلى نقطة الصفر بعد رحلة علاج شاقة استمرت عامًا كاملًا، خاصة أنه لم يمضِ سوى 15 يومًا على إزالة البلاتين وبدء العلاج الطبيعي. لكن محمد أصرّ على المشاركة، وأثبت اليوم أن الإرادة أحيانًا تكون أقوى من كل التوقعات الطبية والظروف القاسية."
وأضاف النباهين:"محمد ليس مجرد لاعب موهوب، بل نموذج حيّ للصبر والقوة. ما مرّ به من إصابة وفقدان لوالديه وعدد من أفراد أسرته كان كفيلًا بأن يُسقط أي إنسان، لكنه عاد اليوم ليؤكد أن الأبطال الحقيقيين يولدون من رحم المعاناة."
فوجئ الجميع بوجود العداء محمد على خط البداية ،لم يشارك فقط لإكمال السباق، بل دخل المنافسة بروح مقاتل، وكأنه يركض ضد الألم، وضد الفقد، وضد كل ما حاول إبعاده عن حلمه.
خطوة بعد خطوة، تجاوز الخوف، وهزم التعب، وأنهى السباق في المركز الرابع وسط منافسة قوية، في مشهد بدا وكأنه انتصار على عام كامل من الوجع والانكسار.
محمد العبيد لم يفز بمركز فقط، بل انتصر على الإصابة، وعلى الفقد، وعلى كل ما حاول إنهاء قصته مبكرًا.
وأشار الكابتن النباهين إلى أن أكاديمية المستقبل واصلت تألقها في ماراثون فلسطين الدولي، بحصول العداءة نادين الراعي على المركز الأول، والعداءة آلاء العر على المركز الثاني، فيما حقق محمد العبيد المركز الرابع، وهيثم أبو بليمة المركز السابع، بإشراف المدربين محمد أبو بليمة ومحمد المصدر، وتحت الإدارة الفنية للكابتن سمير النباهين.
وشهدت لحظة تكريم العداء محمد العبيد مشهدًا مؤثرًا، حيث جرى تكريمه بعد الإنجاز بحضور القيادي في حركة فتح أبو ماهر حلس، ومدير المناطق الجنوبية في المجلس الأعلى للشباب والرياضة يحيى الخطيب، ومعين أبو الحصين المسؤول التنفيذي للجنة المصرية، في لفتة حملت تقديرًا لمسيرته الملهمة وصموده بعد رحلة طويلة من الإصابة والفقد والمعاناة.




