ليست أزمة حركة فتح فيمن فاز، بل في الطريقة التي تُدار بها فكرة الفوز نفسها. فالقضية لم تعد مجرد أسماء تدخل اللجنة المركزية أو تغادرها، بل أصبحت أعمق من ذلك بكثير؛ قضية بنية تنظيمية تحتاج إلى مراجعة، وعقل إداري يحتاج إلى إعادة تشكيل، وثقة داخلية تآكلت عبر السنوات حتى باتت الانتخابات نفسها تُقرأ بوصفها اختباراً لبقاء التنظيم لا مجرد استحقاق داخلي عابر. المؤتمر الثامن لحركة فتح جاء كلحظة سياسية كاشفة. لم يكن مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل بدا وكأنه لحظة مراجعة صامتة لكل ما تراكم داخل الحركة من أسئلة مؤجلة. فحين تجتمع حركة بحجم فتح، فإن الأمر لا يتعلق فقط بانتخاب لجنة مركزية جديدة، أو مجلس ثوري. بل بإعادة فحص العلاقة بين التاريخ والواقع، بين الشرعية القديمة ومتطلبات المرحلة الجديدة، وبين منطق المحافظة على النفوذ ومنطق الحاجة إلى الإصلاح. في علم الإدارة، لا تُقاس قوة المؤسسات بقدرتها على الاستمرار فقط، بل بقدرتها على التكيف، وإعادة إنتاج نفسها بطريقة أكثر كفاءة وعدالة. ففتح التي قادت المشروع الوطني لعقود، تجد نفسها اليوم أمام سؤال صعب: هل ما زالت قادرة على تجديد نفسها من الداخل؟ فالمؤسسة القوية ليست تلك التي تحافظ على قياداتها، بل تلك التي تعرف متى تغيّر، وكيف تغيّر، ولماذا تغيّر. ومن هنا، فإن نتائج انتخابات اللجنة المركزية، والمجلس الثوري لا ينبغي أن تُقرأ كأرقام فقط، بل كرسائل سياسية وتنظيمية واجتماعية. في الحقيقة، كانت النتائج بالنسبة لكثيرين مفاجئة، وأنا واحد منهم. نجاح بعض الأسماء الجديدة لم يكن عابراً، بل حمل دلالات واضحة على وجود رغبة داخلية في كسر بعض المعادلات التقليدية، أو محاولة تعديلها. فعلى الأقل، يمكن الحديث عن خمسة من أصل التسعة الجدد باعتبارهم حالة تستحق التوقف. هؤلاء لا يمثلون مجرد تبديل أسماء، بل فرصة محتملة لإعادة التفكير في طريقة إدارة الحركة، خاصة أنهم يحظون بدعم لا بأس به من المجلس الثوري، ومن القاعدة التنظيمية، وهو ما قد يمنحهم مساحة أوسع للحركة إذا توفرت الإرادة والرؤية. لكن السؤال الحقيقي لا يكمن في النجاح الانتخابي، بل في القدرة على تحويل هذا النجاح إلى فعل. هل يملكون جميعهم في اللجنة المركزية الشجاعة للدخول في إصلاح حقيقي؟ هل يستطيعون الانتقال من منطق التوازنات إلى منطق البناء؟ وهل لديهم الاستعداد لمواجهة البنية التقليدية التي كثيراً ما تبتلع كل محاولة للتجديد؟ من هنا ومن منظور علم الاجتماع السياسي، التنظيمات الكبرى لا تتغير فقط عبر الأشخاص، بل عبر البنية التي تحكم هؤلاء الأشخاص. فالمشكلة في فتح لم تعد أزمة وجوه بقدر ما هي أزمة نموذج إداري كامل؛ مركزية القرار، هشاشة المساءلة، ضعف الحوافز التنظيمية، تراجع دور الأطر الحركية، واتساع الفجوة بين القاعدة والقيادة. ولعل أوضح دليل على هذا التراجع، ما أفرزته نتائج الانتخابات على مستوى قطاع غزة. هناك لم يكن التصويت مجرد اختيار لأسماء، بل كان رسالة سياسية واجتماعية واضحة. القاعدة التنظيمية في غزة لفظت الحرس القديم، ووجهت رسالة صريحة لمن يقيم خارجها، مفادها أن غزة لمن يعيش تفاصيلها اليومية، ويتحمل كلفة البقاء فيها، لا لمن يديرها من مسافة أو يتحدث باسمها من خارج معاناتها. هذه النتيجة لم تكن مجرد موقف انتخابي، بل تعبير عن شعور متراكم بتراجع العدالة التنظيمية، ورفض للتمثيل الشكلي، ومطالبة بقيادة تنبع من الواقع لا من الامتيازات التنظيمية. وهذا بحد ذاته مؤشر خطير لا يجب المرور عليه كخبر عابر، لأنه يكشف حجم الفجوة النفسية والتنظيمية بين المركز والأطراف. لهذا، فإن إصلاح فتح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأسماء فقط، بل من البناء التنظيمي ذاته. الإصلاح يبدأ من مراجعة الهياكل، وتفعيل الأطر، وإعادة تعريف العلاقة بين القيادة والقاعدة، وإحياء دور المناطق والشُعب والمكاتب الحركية، ومنح المؤسسات الداخلية صلاحياتها الحقيقية بعيداً عن الشخصنة والشللية وإدارة النفوذ. إن الأزمة لا تتوقف عند تراجع العدالة التنظيمية فقط، بل تمتد إلى تآكل الوظيفة التنظيمية نفسها. فمنذ عودة السلطة، وعلى الأقل في قطاع غزة بصورة واضحة، لم يعد التنظيم يعمل بوظيفته الأصلية كما ينبغي؛ لم يعد هناك فعل تعبوي منتظم، ولا عملية تفريغ وتأطير مستمرة، ولا بناء حقيقي للكادر، ولا إنتاج طبيعي للقيادات من القاعدة إلى القمة. تراجعت فكرة التنظيم كمدرسة سياسية واجتماعية، وحلّت محلها حالة من الانتظار المرتبط بالموقع الوظيفي أو النفوذ أو الاستحقاق الإداري. وهنا تصبح الأزمة أعمق من مجرد ضعف إداري، لأنها تمس جوهر الفكرة التنظيمية نفسها؛ فالحركات الوطنية لا تبقى بتاريخها فقط، بل بقدرتها اليومية على إنتاج الانتماء وتجديده، وحين يتوقف التنظيم عن أداء هذا الدور، يتحول إلى اسم كبير بذاكرة كبيرة، لكنه يفقد قدرته على صناعة المستقبل.
فتح لا تحتاج فقط إلى لجنة مركزية جديدة، بل إلى عقل إداري جديد. تحتاج إلى استعادة فكرة المؤسسة، لا فقط المحافظة على شكلها. تحتاج إلى إعادة بناء الثقة الداخلية قبل البحث عن استعادة ثقة الشارع الفلسطيني. ولا يكفي إصلاح الهياكل التنظيمية وحده، لأن الحركات الكبرى لا تعيش بالإدارة فقط، بل بالفكرة التي تمنح الناس سبباً للبقاء فيها. ففتح اليوم لا تواجه أزمة تنظيم فحسب، بل أزمة وضوح في الدور والاتجاه. كثيرون ما زالوا ينتمون إلى تاريخها، لكنهم يتساءلون عن مشروعها القادم. فالتنظيم حين يفقد وضوح الهدف، يتحول تدريجياً من حركة تحرر إلى مؤسسة تبحث فقط عن إدارة بقائها. فالحركات لا تضعف حين تخسر انتخابات، بل حين يفقد أبناؤها الإيمان بأن البقاء فيها ما زال يستحق. وحين تتحول العلاقة بين التنظيم وأبنائه من علاقة انتماء إلى علاقة انتظار، تصبح الأزمة أعمق من مجرد نتائج مؤتمر. الرهان الحقيقي اليوم ليس على من فاز، بل على ما سيفعله هذا الفوز. فإذا تحولت هذه النتائج إلى فرصة لإعادة البناء المؤسسي، فقد يكون المؤتمر الثامن بداية جديدة فعلاً. أما إذا بقي الأمر مجرد إعادة توزيع للمقاعد داخل نفس البنية الجامدة، فإن الأزمة ستبقى كما هي، وإن تبدلت الأسماء وتغيّرت الوجوه. ففتح تحتاج إلى لحظة صدق شجاعة تعترف فيها أن الإصلاح لم يعد خياراً تنظيمياً، بل شرطاً من شروط البقاء نفسه.
