بقلم/ شريف الهركلي
ليس أخطر ما يواجهه الأسرى الفلسطينيون هو السجن بحدّ ذاته، بل تحوّل السجن إلى مساحة مفتوحة على الموت. بين جدرانٍ صامتة، يتقدّم قانون الإعدام خطوةً أخرى، لا كنصٍّ قانوني فحسب، بل كترجمةٍ قاسية لعقلٍ سياسي يرى في الفلسطيني مشروعَ هدفٍ دائم. في هذا المناخ الثقيل بالخطر، لا يعود الحديث عن الأسرى شأنًا حقوقيًا عابرًا، بل سؤالًا وجوديًا يمسّ معنى الحياة والحرية معًا.
في هذا السياق، جاء حديثي مع الأسير المحرر هشام عبد الرازق (أبو جهاد)، ابنُ رفح المولود عام 1953، الذي انخرط مبكرًا في العمل الوطني واعتقلته قوات الاحتلال قبل أن يبلغ عامه السابع عشر، ليقضي واحدًا وعشرين عامًا خلف القضبان، قبل أن يخرج حاملًا ذاكرة السجن وهمّ الأسرى. وبعد تحرره، انتُخب عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني عام 1996 عن دائرة شمال غزة، وتولى لاحقًا مواقع سياسية ووزارية عدة، أبرزها وزارة شؤون الأسرى، فضلًا عن حضوره في الأطر القيادية لحركة فتح، وقد وثّق تجربته الاعتقالية في كتابه "فرسان الحرية"، ناقلًا تفاصيل المعاناة وصمود الإرادة خلف القضبان.
اتصلتُ به، فبادرني بصوتٍ هادئ قائلاً: "أنا بخير، أمارس الرياضة يوميًا، وأقوم بواجبي الاجتماعي في مختلف المناسبات، وأتابع المشهد السياسي، خاصة قضية الأسرى الفلسطينيين."
في تلك الكلمات البسيطة تختبئ فلسفة صمود كاملة؛ فالرجل الذي خبر السجون لا يتحدث عن يومه بوصفه زمنًا عابرًا، بل كفعل مقاومة مستمر. الرياضة ليست رفاهية، بل إعادة بناء للذات، وشحذٌ للإرادة في وجه محاولات الكسر. أما الحضور الاجتماعي، فهو أكثر من مجرد واجب؛ إنه ترميم للنسيج الوطني، وسدٌّ للشرخ الذي تحاول السياسات القمعية توسيعه.
حين يتحدث عبد الرازق عن الأسرى، لا يتحدث عن ملفٍ سياسي عابر، بل عن جوهر القضية الفلسطينية. فالأسرى، كما اللاجئون، يمثلون ذاكرة الألم وامتداد الهوية، وهما القضيتان الأكثر استهدافًا من آلة البطش الإسرائيلية، التي لا تكتفي بالقمع المادي، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي وفرض واقعٍ إحلالي يلتهم الأرض والإنسان معًا.
قانون الإعدام الذي يلوح في الأفق ليس مجرد نصّ قانوني، بل تعبير فجّ عن ذهنية انتقامية تحاول شرعنة الموت داخل منظومة القضاء. إنه انتقال من إدارة الصراع إلى تصفيته، ومن أسر الجسد إلى إعدام المعنى. وهنا يتجلى الألم في خطاب عبد الرازق؛ ألم العارف بأن السجن لم يعد سقف المعاناة، بل قد يصبح بوابة النهاية.
يروي عبد الرازق حكايات الأسرى، لا بوصفها سرديات حزينة فحسب، بل كشهادات حيّة على صراع الإرادة مع القيد. خلف القضبان، لا يغيب الوطن، بل يتكثف؛ يصبح فكرةً أكثر نقاءً، وحلمًا أكثر إلحاحًا. هناك، في العتمة، يُعاد تعريف الحرية، لا كحقٍ سياسي فقط، بل كقيمة إنسانية مطلقة لا تقبل المساومة.
في صوته، يختلط الأمل بالألم، لكن الأمل لا ينكسر. فالرجل الذي خرج من السجن يحمل داخله يقينًا أن القيد، مهما طال، لا يستطيع أن يُعدم روحًا قررت أن تبقى حرة.
