📁آخر الأخبار

غزة… بين هدنةٍ مكسورة وحربٍ مؤجلة: حين يصبح الموت سياسة



༺༺༺༺༻༻༻༻
بقلم: د. أحلام أبو السعود

سفيرة الإعلام العربي والباحثة في الشؤون الفلسطينية
༺༺༺༺༻༻༻༻

في غزة، لا تُقاس الأيامُ بالساعات، بل بعدد الشهداء الذين يرتقون، وبحجم الركام الذي يتسع ليبتلع ما تبقّى من حياة.

هناك، حيث لا حرب تُعلَن رسميًا… ولا سلام يُمنَح فعليًا، يعيش الناس في حالةٍ مُعلّقة بين السماء والأرض، بين قذيفةٍ تنتظر دورها، وهدنةٍ تُنتهك قبل أن تُكتب.

خلال نصف عام فقط، سُجِّلت أكثر من 2400 خرق لوقف إطلاق النار، في مشهدٍ يكشف أن ما يجري ليس صدفةً عسكرية، بل سياسة ممنهجة لإبقاء غزة في دائرة النزيف المستمر.

مئات الشهداء ارتقوا، وآلاف المصابين توزعت آلامهم بين مستشفياتٍ مُنهكة، وأجسادٍ أنهكها الحصار قبل القصف.

ليست الأرقام هنا مجرد إحصاءات… إنها وجوه، وأسماء، وذكريات مبتورة.

إنها أمٌّ تنتظر طفلها الذي خرج ليجلب الماء، فعاد شهيدًا.

وطفلٌ لم يفهم بعد معنى الوطن، لكنه حفظ جيدًا صوت الطائرات.

حالة "اللاحرب واللاسلم" التي تُفرض على قطاع غزة ليست فراغًا سياسيًا كما يبدو، بل هي حالة مُحكمة الصياغة؛

حربٌ منخفضة الوتيرة، عالية التأثير، تُدار بعناية لتُبقي الإنسان الفلسطيني في حالة استنزاف دائم:

لا هو حيٌّ حياةً كاملة، ولا هو شهيدٌ في معركةٍ فاصلة.

هذه السياسة، التي يمكن توصيفها بـ "القتل الممنهج"، لا تستهدف فقط الأجساد، بل تستهدف الإرادة.

تُراهن على إنهاك الناس، وعلى كسر صمودهم عبر التقطير البطيء للألم، بدل الانفجار الكبير.

لكن غزة، التي تعلّمت أن تقف في وجه العاصفة، تُفشل في كل مرة حسابات الانكسار.

في المشهد اليومي، تتجاور المفارقات حدّ الألم:

أطفال يلعبون قرب بيوتٍ مهدمة،

وشيوخ يروون حكايات العودة تحت أزيز الطائرات،

ونساءٌ يخبزن الصبر كما يخبزن الخبز، ويُعدن ترتيب الحياة كلما بعثرتها غارة.

أما المجتمع الدولي، فيقف غالبًا عند حدود البيانات،

يُدين بصيغةٍ باردة، ويقلق بلغةٍ لا تُسعف الضحايا،

فيما تستمر آلة القتل في أداء مهامها دون رادع حقيقي.

إن ما يحدث في غزة ليس مجرد تصعيدٍ عابر،

بل هو نموذجٌ معقّد من إدارة الصراع، حيث تُستخدم القوة العسكرية لضبط الحياة لا لإنهائها،

ولفرض واقعٍ يُبقي الفلسطيني أسير الخوف، والتعب، والانتظار.

ومع ذلك…

تبقى غزة عصيّة على التعريفات الناقصة،

فهي ليست فقط ضحية، بل شاهدٌ حيّ على قدرة الإنسان على النجاة، وعلى تحويل الألم إلى معنى، والدم إلى رواية لا تموت.


في غزة…

قد تُخرق الهدنة آلاف المرات،

لكن الإرادة لا تُخرق.

وقد يسقط الشهداء بالعشرات والمئات،

لكن القضية… لا تسقط.


تعليقات