في لحظةٍ يُفترض أن يكون فيها الخطاب الفلسطيني جامعًا بحجم المأساة، جاءت رسالة عدنان الفليت إلى دونالد ترامب لتطرح إشكالية عميقة تتجاوز مضمونها السياسي إلى دلالاتها الرمزية. فحين تُخاطَب القوة الدولية الكبرى من بوابة مدينة واحدة—دير البلح—يبرز سؤال مشروع: هل ما زالت غزة تُرى كجسد واحد، أم بدأت تتشظى في الخطاب قبل الجغرافيا؟
التقرير الذي نشرته تايمز أوف إسرائيل قدّم الرسالة بوصفها تعبيرًا عن تيار “مهني مستقل” يسعى إلى السلام والتنمية، وهي لغة قد تبدو في ظاهرها عقلانية ومطلوبة في سياق إعادة الإعمار. لكن القراءة السياسية الأعمق تكشف أن هذا الخطاب، وإن لم يقصد، يعيد إنتاج سردية مجتزأة تختزل المعاناة الفلسطينية في نطاق محلي ضيق، متجاهلة أن غزة—من شمالها إلى جنوبها—تعيش تحت ذات الركام، وذات الحصار، وذات الشمس الحارقة.
الفليت، وهو يخاطب ترامب، يربط بشكل مباشر بين الانتخابات المحلية في دير البلح وبين “مبادرة السلام” الأمريكية، في محاولة لمنح العملية الانتخابية بعدًا سياسيًا يتجاوز إطارها البلدي. هذا الربط ليس بريئًا تمامًا؛ فهو يضع الانتخابات في سياق مشروع دولي مثير للجدل، ويمنح شرعية ضمنية لخطط لم تحظَ بإجماع وطني فلسطيني. هنا تكمن الخطورة: حين يتحول المحلي إلى بوابة لتمرير تصورات كبرى، قد لا تعكس الإرادة الجمعية.
الأكثر إشكالية في الخطاب هو نبرة التفرد غير المقصود. فعندما يقول إن “هناك مهنيين في دير البلح يريدون السلام ويسعون لإعادة بناء مدينتهم”، فإن الرسالة الضمنية—حتى لو لم تُقصد—أن هذه الرغبة محصورة أو مميزة جغرافيًا، وكأن بقية مدن غزة خارج هذا الإطار. والحقيقة أن غزة بأكملها تريد الحياة، لا مدينة دون أخرى، وأن الألم ليس مناطقيًا، بل شاملًا.
سياسيًا، يمكن فهم الرسالة كجزء من صعود خطاب “البراغماتية المحلية”، الذي يسعى إلى التعامل مع الواقع كما هو، بعيدًا عن الشعارات الكبرى. غير أن هذا النهج، رغم وجاهته في بعض السياقات، يصبح إشكاليًا عندما يُفقد القضية بعدها الكلي، ويحوّلها إلى ملفات خدماتية منفصلة: كهرباء هنا، مياه هناك، إعمار في هذه المدينة دون غيرها.
كما أن مخاطبة الإدارة الأمريكية مباشرة، دون المرور بإطار وطني جامع، تعكس تحولًا في أنماط العمل السياسي داخل غزة، حيث بات بعض الفاعلين المحليين يرون في التواصل الخارجي المباشر وسيلة لتحقيق مكاسب آنية. لكن هذا المسار يحمل في طياته خطر تجاوز التمثيل الوطني، وفتح الباب أمام مقاربات دولية تتعامل مع غزة ككيانات مجزأة، لا كقضية شعب واحد.
في النهاية، لا يمكن إنكار أهمية أي جهد يسعى لتحسين حياة الناس في دير البلح أو غيرها، لكن الإشكالية ليست في الفعل، بل في الخطاب. فغزة اليوم لا تحتمل لغة التجزئة، ولا رسائل تُقرأ وكأنها تمثل جزءًا دون الكل. الرسالة الأقوى ليست تلك التي تُخاطب العالم من مدينة واحدة، بل التي تنطلق من وجع شامل، باسم شعب كامل.
غزة ليست دير البلح وحدها… وغزة لا تُختزل.
