📁آخر الأخبار

هل يشعل نتنياهو حربا على غزة هربا من المحاكمة.. أبو شريف رباح


في لحظة سياسية شديدة التعقيد يجد بنيامين نتنياهو نفسه أمام معركة داخلية لا تقل خطورة عن أي مواجهة عسكرية خارجية وهي معركته القضائية أمام القضاء الإسرائيلي بتهم الفساد، هذه المحاكمة التي تلاحقه منذ سنوات لم تعد مجرد قضية قانونية بل تحولت إلى تهديد مباشر لمستقبله السياسي ما يدفعه وفق "رأي كثير من المراقبين" إلى البحث عن ساحات بديلة لنقل الصراع وعلى رأسها قطاع غزة.

لقد درج نتنياهو في أكثر من محطة على استخدام التصعيد العسكري كوسيلة لإعادة ترتيب أولويات الداخل الإسرائيلي ومحاولة الالتفاف على أزماته السياسية والقضائية، وبعد أن اضطر تحت ضغوط دولية أبرزها من دونالد ترامب إلى القبول بوقف إطلاق النار في كل من لبنان وإيران يبدو أن هامش المناورة لديه قد ضاق مما يعزز فرضية توجهه مجددا نحو غزة كخيار أقل كلفة سياسيا وأكثر قابلية للتوظيف داخليا.

إن محاولة نقل المعركة القضائية من قاعات المحاكم إلى ساحات القتال ليست مجرد تكتيك مرحلي بل تعكس استراتيجية واضحة يسعى نتنياهو لتحقيقها: أولا؛ الهروب من المحاكمة، إذ أن إشعال جبهة عسكرية جديدة من شأنه فرض حالة طوارئ تعيد ترتيب الأولويات داخل إسرائيل وتمنح الحكومة مبررات لتأجيل أو تهميش المسار القضائي، فالحروب في السياق الإسرائيلي كثيرا ما تستخدم كأداة لتوحيد الداخل وتخفيف الضغوط عن القيادة السياسية الإسرائيلية، وثانيا؛ تقويض حل الدولتين، فالتصعيد في الضفة الغربية والقدس وفي قطاع غزة وما يرافقه من دمار واسع واستنزاف للواقع الإنساني والسياسي يهدف إلى تكريس واقع جديد، وإضعاف أي إمكانية لإحياء مسار سياسي قائم على حل الدولتين إذ أن استمرار الحروب يجعل من أي تسوية سياسية أمرا بعيد المنال.

ورغم إعلان وقف إطلاق النار لا تزال الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار التصعيد مع مواصلة الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية التي أسفرت عن مئات الشهداء وآلاف الجرحى منذ وقف إطلاق النار، إلى جانب استكمال عملية التدمير للبنية التحتية والمناطق السكنية في قطاع غزة وهذا الواقع يعكس أن التهدئة لا تعدو كونها مرحلة مؤقتة ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الصراع وليس لإنهائه.

كما أن فشل الرهانات العسكرية في جبهات أخرى سواء في إيران أو جنوب لبنان وما تكبدته إسرائيل من خسائر قد يدفع نتنياهو إلى البحث عن نصر بديل بقطاع غزة في محاولة لترميم صورته السياسية داخليا، ويتقاطع ذلك مع استعجال إسرائيل وأميركا للانتقال إلى مراحل جديدة تتعلق بترتيبات ما بعد الحرب في القطاع بما فيها ملف السلاح وهو ما قد يستغله نتنياهو لفرض وقائع جديدة على الأرض.

في المحصلة تبدو غزة مرة أخرى في قلب حسابات السياسة الإسرائيلية الداخلية ليس كقضية أمنية فحسب بل كأداة لإدارة الأزمات الشخصية والسياسية الإسرائيلية، وبين محاولات الهروب من القضاء والسعي لتقويض أي أفق للحل السياسي يبقى الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن الأكبر في ظل غياب أي إرادة دولية حقيقية لوقف هذا النهج وإعادة الاعتبار لمسار عملية السلام.
تعليقات