كثيراً ما تُختزل قصة الجزر الثلاث في الخليج العربي—أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى—في رواية مبسطة تتردد أحياناً على أنها “أُهديت” لإيران في مرحلة ما قبل قيام دولة الإمارات. غير أن العودة إلى الوقائع التاريخية تكشف أن هذه السردية بعيدة عن الدقة، وأن القضية لم تُحسم يوماً لا بهدية ولا بتنازل، بل نشأت من تداخل معقد بين التاريخ والسياسة والفراغ الجغرافي في لحظة انتقال حاسمة.
قبل عام 1971، كانت الجزر الثلاث ضمن نطاق إمارات الساحل المتصالح تحت إشراف بريطاني غير مباشر على إدارة المنطقة. حيث كانت طنب الكبرى وطنب الصغرى تتبعان لإمارة رأس الخيمة، بينما كانت أبو موسى تتبع لإمارة الشارقة، وهو واقع إداري موثق في خرائط ووثائق تلك المرحلة.
ومع اقتراب انسحاب بريطانيا من الخليج عام 1971، دخلت المنطقة مرحلة إعادة تشكيل سياسي حساسة، تميزت بفراغ في ميزان القوى. وفي هذه اللحظة تحديداً، تحركت إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي وسيطرت على الجزر الثلاث، في وقت كانت فيه دولة الإمارات في طور التأسيس ولم تكتمل بعد ككيان اتحادي.
ومن هنا ظهرت واحدة من أكثر النقاط التباساً في الملف، وهي ما يعرف بـ“اتفاق أبو موسى”. فقد تم التوصل قبل إعلان الاتحاد إلى اتفاق بين إيران وإمارة الشارقة، نص على ترتيبات مشتركة لإدارة الجزيرة، شملت تقاسم الوجود والإدارة والموارد، دون أن يتضمن أي نص صريح ينقل السيادة لأي طرف.
هذا الاتفاق لم يكن تنازلاً عن السيادة، ولم يكن تثبيتاً لها، بل كان صيغة مؤقتة لإدارة وضع شديد الحساسية في لحظة انتقال تاريخية. إلا أن التطورات اللاحقة شهدت توسعاً تدريجياً للوجود الإيراني في الجزيرة، وتقلصاً للدور الإماراتي، قبل أن يستقر الأمر على واقع سيطرة فعلية.
أما جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى، فقد دخلتا تحت السيطرة الإيرانية في الفترة نفسها دون وجود اتفاق مشابه، ما جعل ملفهما أكثر مباشرة من حيث الواقع الميداني، لكنه بقي محل رفض إماراتي سياسي وقانوني كامل حتى اليوم.
وبذلك، فإن جوهر القضية لا يقوم على فكرة “هدية” أو “تنازل”، بل على ثلاث طبقات متداخلة: فراغ سياسي بعد انسحاب بريطانيا، اتفاق جزئي غير مكتمل حول أبو موسى، وتحرك عسكري فرض واقعاً جديداً على الأرض. هذا التداخل هو ما جعل الملف مفتوحاً لأكثر من خمسة عقود دون تسوية نهائية.
وتكمن أهمية هذه الجزر في موقعها الاستراتيجي قرب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما يجعلها نقطة حساسة في معادلات الأمن والطاقة والنفوذ الإقليمي والدولي، وليس مجرد مساحة جغرافية صغيرة في البحر.
الإمارات من جهتها تؤكد أن ما حدث يمثل فرض أمر واقع لا يغيّر من حقيقة السيادة التاريخية، وتطالب بحل النزاع عبر المفاوضات أو التحكيم الدولي. في المقابل، تتمسك إيران بوجودها الفعلي وتعتبر الجزر جزءاً من أراضيها السيادية وترفض أي مسار تحكيمي.
وهكذا، تبقى الجزر الثلاث أكثر من مجرد نزاع حدودي، بل ملفاً سياسياً مفتوحاً يعكس كيف يمكن أن تتحول اللحظات الانتقالية في التاريخ إلى قضايا ممتدة، حين لا تُحسم بالقانون بل تترك لتوازنات القوة والواقع.
