📁آخر الأخبار

صرخةُ المسرى وزئيرُ الصابرين.. بقلم الشاعرة د. أحلام أبو السعود




أَيُّهِلُّ عِيدٌ وَالجِرَاحُ تُقَطِّرُ؟ ...

وَالمَسجِدُ الأَقْصَى حَزِينٌ مُقْفَرُ؟

يَا صَائِمِينَ وَجُوعُكُمْ عِزٌّ لَنَا ...

فِي شَهْرِ طُهْرٍ بِالدِّمَاءِ يُعَطَّرُ


قَتَلُوا الرِّجَالَ وَأَثْكَلُوا أُمَّاتِنَا ...

وَالطِّفْلُ فِي مَهْدِ البُطُولَةِ يُقْبَرُ


يَا قُدْسُ عُذْرًا؛ فَالصَّلَاةُ تَعَذَّرَتْ ...

وَالمِحْرَابُ بِالرِّجْسِ يُحَاصَرُ

أَبْوَابُكِ الشَّمَّاءُ تَشْكُو قَيْدَهَا ...

وَالظُّلْمُ فِي أَرْجَائِكِ يَتَجَبَّرُ

مَنَعُوا السُّجُودَ بِشَهْرِ صَوْمٍ، وَيْحَهُمْ ...

كَيْفَ المَسَاجِدُ بِالحِرَابِ تُكَدَّرُ؟


أَنَّاتُ صَخْرَتِكِ الشَّرِيفَةِ دَوَّتِ ...

فِي كُلِّ قَلْبٍ بِالإِيمَانِ يَعْمُرُ


أَيْنَ العُرُوبَةُ؟ هَلْ تَمَاتَتْ نَخْوَةٌ؟ ...

أَمْ أَنَّ سَيْفَ العُرْبِ بَاتَ يُكَسَّرُ؟


نَامَ المُلُوكُ عَلَى حَرِيرِ عُرُوشِهِمْ ...

وَالشَّعْبُ تَحْتَ جَحِيمِ مَوْتٍ يُصْهَرُ


غُمَمٌ عَلَى غُمَمٍ تَرَاكَمَ لَيْلُهَا ...

وَحُرُوبُ جَارٍ بِالخِيَانَةِ تُسْعَرُ


يَا أَهْلَ غَزَّةَ، يَا مَنَارَةَ عِزِّنَا ...

مِيزَانُ شَرْقٍ بِالصُّمُودِ يُحَرَّرُ


لا تَرْتَجُوا مِنْ نَائِمٍ فَزَعاً لَكُمْ ...

مَنْ هَانَ يَوماً، فَالذَّلِيلُ مُحَقَّرُ


شَرَفُ العُرُوبَةِ فِي رِبَاطِكُمُ انْبَرَى ...

وَالنَّصْرُ مِنْ جُرْحِ الفِدَاءِ سَيَظْهَرُ

_________

الشاعرة والأديبة الفلسطينية

الإعلامية د. أحلام ابو السعود

قراءة أدبية في نص “صرخةُ المسرى وزئيرُ الصابرين” للشاعرة د. أحلام أبو السعود

 بقلم: د. عادل جوده من العراق..
 بوصفه قصيدةً مشحونةً بطاقة وجدانية عالية، تنبثق من رحم الألم الجمعي، لتتحول إلى خطاب شعري مقاوم يجمع بين الرثاء والاحتجاج والتحريض. منذ المطلع، تضعنا الشاعرة أمام مفارقة صادمة: عيدٌ يحلّ، لكنه مغمّس بالجراح، وفضاءٌ مقدّسٌ كـ المسجد الأقصى يبدو حزينًا مقفرًا. هذه الثنائية بين الفرح المفترض والحزن الواقع تؤسس لبنية القصيدة كلها، حيث يتنازعها الأمل المجهض والكرامة المجروحة.

تعتمد الشاعرة لغة جزلة، تنهل من المعجم العربي الفصيح، وتستثمر الإيقاع العمودي بما يحمله من رصانة وقوة، فتأتي الأبيات محكمة السبك، كأنها طلقات لغوية متتابعة. وتبرز قدرتها في تطويع الصورة الشعرية لتكون حاملةً لمعنى مزدوج: فـ"جوع الصائمين" ليس مجرد طقس تعبدي، بل يتحول إلى رمز للعزة والصمود، بينما "الدماء التي تعطر شهر الطهر" تمثل امتزاج المقدس بالمعاناة، في مشهد يختزل مأساة الإنسان تحت وطأة الاحتلال.

وتتجلى ذروة الألم في تصويرها لمشهد القتل والفقد، حيث لا تكتفي برصد الحدث، بل تنفذ إلى عمقه الإنساني: أمّ ثكلى، وطفل يُقبر في "مهد البطولة"، وهي صورة مدهشة تجمع بين البراءة والفداء، وتعيد تعريف البطولة بوصفها قدرًا مفروضًا لا خيارًا. هذا التداخل بين الطفولة والموت يمنح النص بُعدًا مأساويًا كثيفًا، يحرّك وجدان القارئ ويستفزه أخلاقيًا.

وفي انتقالة حادة، تتحول القصيدة إلى خطاب عتاب واحتجاج، موجه إلى الأمة العربية، حيث يتجلى السؤال الاستنكاري: "أين العروبة؟" بوصفه صرخة وجودية، لا تبحث عن جواب بقدر ما تفضح حالة الخذلان. هنا، تتكثف نبرة الغضب، ويغدو "نوم الملوك" على حرير العروش رمزًا للانفصال بين السلطة والشعوب، في مقابل "الشعب المصهور تحت الجحيم"، وهي مقابلة بلاغية تعمّق الإحساس بالظلم.

لكن النص، رغم سوداويته، لا يستسلم لليأس؛ إذ تعود الشاعرة لتؤسس أفقًا من الرجاء، متجسدًا في صمود غزة، التي ترتقي إلى مرتبة الرمز، فتغدو "منارة العز" و"ميزان الشرق". هذا التحول من الرثاء إلى التمجيد يمنح القصيدة بعدًا تحفيزيًا، حيث يتحول الألم إلى طاقة مقاومة، ويصبح الجرح ذاته نواةً للنصر القادم.

فنيًا، تتسم القصيدة بوحدة عضوية واضحة، إذ تتنامى أفكارها من الحزن إلى الغضب، ثم إلى الأمل، ضمن تسلسل شعوري متماسك. كما توظف الشاعرة التكرار والاستفهام الإنكاري لإضفاء إيقاع داخلي يعزز التأثير العاطفي، ويجعل النص أقرب إلى نشيد جماعي يعبّر عن وجدان أمة.

في المحصلة، تمثل هذه القصيدة نموذجًا للشعر المقاوم الذي لا يكتفي بوصف المأساة، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي بها، وتحويلها إلى فعلٍ إنسانيٍّ حيّ. إنها صرخةٌ لا تنطفئ، وزئيرُ صابرين يؤمنون أن الليل، مهما طال، لا بد أن ينكسر على أعتاب الفجر.

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹
تعليقات