📁آخر الأخبار

"على نفسها جنت براقش"… حين تتحول الأخطاء إلى كوارث وطنية.. بقلم: شريف الهركلي


من رحم التجارب العربية، تولد الأمثال لا كحكايات عابرة، بل كخلاصة وعيٍ متراكم، يختزن دروس الماضي ويقرع أجراس التحذير في الحاضر. ومن بين هذه الأمثال التي ما تزال نابضة بالدلالة، يبرز المثل العربي الشهير: "على نفسها جنت براقش"، بوصفه مرآةً صادقةً لسلوكٍ يتكرر عبر الأزمنة، وإن تغيّرت وجوهه.

تروي الحكاية أن “براقش” كانت كلبةً لقومٍ من العرب، أحبّوها ورافقتهم في ترحالهم. وحين داهم الأعداء قريتهم، لجأ القوم إلى مغارةٍ للاختباء، وقد كاد الخطر أن يزول بعد أن عجز المهاجمون عن العثور عليهم وهمّوا بالانصراف. غير أن براقش، وفي لحظةٍ غير محسوبة، نبحت، فكشفت مكان القوم، فعاد الأعداء، فقتلوا الجميع، وكانت هي أول الضحايا. ومن هنا جاء المثل، ليُضرب فيمن يجلب الأذى لنفسه وأهله بسوء تقديره.

غير أن هذا المثل، في سياقنا الفلسطيني والعربي، لم يعد مجرد قصة تُروى، بل تحوّل إلى واقعٍ معاش. فكم من مرةٍ كاد فيها العدو أن يتراجع، أو تخفّ وطأة العدوان، فإذا بأصواتٍ داخلية، أو حساباتٍ ضيقة، أو انقساماتٍ عبثية، تعيد إشعال النار، وتمنح الخصم ذريعةً للبطش من جديد.

إن “براقش” اليوم لم تعد كلبةً في حكاية، بل سلوكٌ سياسي، ونمط تفكير، وثقافة تفتقر إلى الحكمة الاستراتيجية. إنها كل قرارٍ متسرّع، وكل خطابٍ انفعالي، وكل انقسامٍ يضعف الجبهة الداخلية، فيفتح الأبواب أمام العدو ليضرب من جديد، في البيوت الآمنة، ويُروّع النساء والأطفال، ويهدم ما تبقى من مقومات الحياة.

إن أخطر ما في “براقش” المعاصرة أنها لا تدرك حجم ما تفعل، أو ربما تدرك، لكنها تُغلّب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية. وهنا تتحول الأخطاء من مجرد هفوات إلى كوارث، ومن اجتهاداتٍ خاطئة إلى أثمانٍ تُدفع من دم الشعوب وأمنها واستقرارها.

العبرة التي يحملها هذا المثل ليست أخلاقية فحسب، بل سياسية بامتياز: فالأمم التي لا تضبط سلوكها الداخلي، ولا تُحسن إدارة خلافاتها، ولا تمتلك رؤيةً موحدة، تظل عرضةً لأن تكون “براقش” نفسها، تجني على ذاتها بيدها.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:

هل تتوقف “براقش” عن النباح؟

هل تدرك القوى والفاعليات أن لحظة الصمت الحكيم قد تكون أبلغ من ألف خطاب، وأن وحدة الصف ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً للبقاء؟ وهل يمكن أن نصل إلى مرحلةٍ يُغادر فيها أهلنا خيام النزوح، التي باتت تشبه أكفاناً مؤجلة، نحو بيوتٍ آمنةٍ، ووطنٍ يستعيد عافيته؟

إن الطريق إلى الأمان لا يمر فقط عبر مواجهة العدو، بل يبدأ أولاً من مراجعة الذات، وكبح “براقش” الكامنة فينا، قبل أن تدفعنا مرةً أخرى إلى دفع أثمانٍ لا تُحتمل.
تعليقات