📁آخر الأخبار

ترامب بين خطاب الانقسام وتناقضات “السلام بالقوة”.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة


في مشهد يعكس عمق التحولات التي تشهدها السياسة الأمريكية، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والتي صوّر فيها خصومه السياسيين كـ“العدو الأكبر” عقب تصعيد خطير في المنطقة، موجة واسعة من الجدل داخل الولايات المتحدة وخارجها. هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن طبيعة الخطاب السياسي الذي بات يهيمن على المشهد الأمريكي، والقائم على الاستقطاب الحاد وتغليب المصالح الانتخابية على مقتضيات القيادة المسؤولة.

إن تصوير الخصم السياسي الداخلي كعدو لا يقل خطرًا عن الخصوم الخارجيين، يمثل انزلاقًا خطيرًا في الخطاب الديمقراطي، ويعكس أزمة بنيوية داخل النظام السياسي الأمريكي، حيث لم يعد التنافس بين الحزبين الرئيسيين قائمًا على البرامج والرؤى، بل على التخوين والتشكيك في الشرعية. ومن هنا، فإن مثل هذا الخطاب لا يعبر عن الشعب الأمريكي بمختلف أطيافه، بقدر ما يعكس توجهات تيار سياسي محدد يسعى إلى حشد أنصاره عبر إثارة المخاوف وتعميق الانقسام.

في المقابل، يبرز التناقض الصارخ في مواقف ترامب، الذي طالما أعلن رفضه لإقحام الولايات المتحدة في حروب جديدة، وسعى إلى تقديم نفسه كصانع للسلام، بل وطرح اسمه في سياق الترشح لنيل جائزة نوبل للسلام. غير أن ممارساته وخطابه السياسي، القائم على التهديد والتصعيد، يعكسان نهجًا مختلفًا يقوم على فرض الوقائع بالقوة، وهو ما يضعف مصداقية هذه الادعاءات ويجعلها موضع تساؤل مشروع.

إن ما يجري في المنطقة لا يمكن توصيفه بدقة باعتباره “حربًا دينية”، رغم ما تحمله بعض الخطابات من أبعاد أيديولوجية أو دينية، بل هو في جوهره صراع على النفوذ والمصالح الاستراتيجية، تتداخل فيه حسابات الطاقة والأمن والتحالفات الدولية. إلا أن خطورة الخطاب المستخدم تكمن في أنه يمنح هذا الصراع طابعًا حضاريًا، بما يزيد من تعقيداته ويغذي نزعات التطرف على مختلف الأطراف.

وعلى صعيد التداعيات الإقليمية، فإن هذا النهج الأمريكي ينعكس بشكل مباشر على منطقة الشرق الأوسط، التي تقف على حافة انفجار واسع في ظل تصاعد التوترات، خصوصًا في ظل المواجهة مع إيران، وما يرافقها من احتمالات اتساع رقعة الصراع لتشمل جبهات متعددة، بما فيها الساحة الفلسطينية حيث اعتداءات المستوطنين وتواصل حملات جيش الاحتلال والتوسع الاستيطاني وإغلاق المسجد الأقصى ويخشى من فرض سياسة الأمر الواقع للضم. وفي هذا السياق، تبدو القضية الفلسطينية مرة أخرى ضحية لتوازنات دولية وإقليمية يتم توظيفها لخدمة حسابات سياسية داخلية، بعيدًا عن متطلبات العدالة الدولية وقرارات الشرعية الدولية.

أما على المستوى الداخلي الأمريكي، فإن استمرار هذا الخطاب التصعيدي يهدد بتقويض أسس التماسك المجتمعي، ويعزز من حالة الاستقطاب التي قد تنعكس سلبًا على استقرار النظام السياسي ذاته. فالدول الكبرى لا تقاس قوتها فقط بقدراتها العسكرية والاقتصادية، بل بقدرتها على الحفاظ على وحدة نسيجها الداخلي وتماسك مؤسساتها.

إن تقييم تجربة ترامب السياسية لا يمكن أن يتم من خلال الشعارات، بل من خلال النتائج الفعلية. فإذا كان السلام هدفًا حقيقيًا، فإنه لا يتحقق عبر التصعيد أو فرض الإملاءات، بل من خلال حلول عادلة ومستدامة تعالج جذور الصراعات. وعليه، فإن أي حديث عن استحقاق جوائز تتعلق بالسلام يبقى مرهونًا بمدى الالتزام الفعلي بهذه المبادئ، لا بمجرد الخطاب السياسي.

في المحصلة، تعكس تصريحات ترامب حالة من التداخل بين السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية، حيث تُستخدم الأزمات الدولية كأدوات في الصراع السياسي الداخلي، وهو ما يفرض على دول المنطقة، وفي مقدمتها الدول العربية، ضرورة إعادة قراءة المشهد بواقعية، وتعزيز أدواتها الدبلوماسية والسياسية لحماية مصالحها، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، التي تظل البوصلة الحقيقية لأي استقرار إقليمي منشود.
تعليقات