في زمنٍ تتنازع فيه الروايات قبل الوقائع، وتُصاغ فيه الحقائق بقدر ما تُصاغ السياسات، يبرز صوت جاكوب كوهين كواحد من أكثر الأصوات إثارةً وإرباكًا للسردية الصهيونية من داخلها. ليس لأنه فقط ناقدٌ لإسرائيل، بل لأنه يقدّم هذا النقد من موقعٍ يهوديٍّ غربي، ما يمنحه قوة اختراقٍ لا تتوفر لكثير من الخطابات الأخرى.
وُلد كوهين في مدينة مكناس في المغرب سنة 1944 م وعمل في كلية الحقوق بالدارالبيضاء من سنة 1978 الى 1987 م ، ثم انتقل الى فرنسا واستقر فيها ، و قد تكوّن وعيه في فرنسا، قبل أن يتحوّل إلى أحد أبرز الوجوه التي تتحدى الربط القسري بين اليهودية والصهيونية.
وفي أكثر من مناسبة، يؤكد بوضوح:
“الصهيونية مشروع سياسي استعماري، وليست تعبيرًا عن اليهودية كدين.”
هذا التصريح لا يكتفي بتفكيك المفهوم، بل يضرب في عمق البنية الخطابية التي تحاول احتكار تمثيل اليهود عالميًا، وتُسخّر هذا الاحتكار لحماية سياسات الاحتلال من النقد والمساءلة.
في قراءته لنشأة إسرائيل، يقدّم كوهين رواية صادمة للوعي الغربي التقليدي، حين يقول:
“إسرائيل لم تنشأ كدولة طبيعية، بل كمشروع استيطاني مدعوم من القوى الاستعمارية.”
بهذا الطرح، يعيد كوهين وضع القضية الفلسطينية في إطارها الأصلي: قضية شعبٍ تعرّض للإحلال والاقتلاع، لا مجرد نزاع حدودي أو ديني. وهو ما يتقاطع مع توصيفات أكاديمية متزايدة ترى في الحالة الإسرائيلية نموذجًا كلاسيكيًا للاستعمار الاستيطاني.
ولا يتوقف كوهين عند التاريخ، بل يذهب إلى الحاضر، حيث يكشف ما يصفه بـ”الانحياز البنيوي” للغرب تجاه إسرائيل. وفي هذا السياق يقول:
“الإعلام الغربي لا ينقل الحقيقة كما هي، بل كما يريدها أن تكون لصالح إسرائيل.”
هذا الاتهام يفتح الباب أمام واحدة من أخطر معارك العصر: معركة الوعي والرواية، حيث لا يُقاس الانتصار فقط بما يجري على الأرض، بل أيضًا بكيفية تقديمه للعالم.
كما يشير كوهين إلى وجود شبكات دعم واسعة لإسرائيل داخل المجتمعات الغربية، معتبرًا أنها تلعب دورًا في التأثير على القرار السياسي والإعلامي. ورغم حساسية هذا الطرح، إلا أنه يعكس محاولة لفهم آليات القوة التي تحيط بالمشروع الصهيوني، وتمنحه هذا القدر من الحماية والاستمرارية.
في المقابل، يظهر موقف كوهين واضحًا في دعمه للحقوق الفلسطينية، حيث يرى أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال، وأن مقاومة هذا الواقع تندرج ضمن سياق تاريخي معروف لشعوب تناضل من أجل حريتها.
بهذا المعنى، لا يقدّم كوهين مجرد نقد، بل يضع نفسه ضمن معسكر أخلاقي يرى في العدالة معيارًا أعلى من الاصطفافات السياسية.
تكمن أهمية جاكوب كوهين في أنه لا يكتفي بكسر الرواية الصهيونية، بل يفضح آليات إنتاجها وإعادة تدويرها داخل الفضاء الغربي.
إنه يقدّم شهادة من الداخل، تُربك الخطاب الإسرائيلي، وتفتح ثغرات في جدار الدعم التقليدي الذي طالما حظي به.
وعلى مستوى جدلية الصراع: الفلسطيني–العربي–الإسرائيلي، يشكّل كوهين عنصرًا فاعلًا في إعادة تعريف هذا الصراع، من كونه نزاعًا معقّدًا يُختزل أحيانًا في اعتبارات أمنية، إلى كونه قضية تحرر وطني وعدالة تاريخية.
كما أن حضوره في الساحة الأوروبية يسهم في نقل النقاش إلى فضاءات جديدة، تتجاوز الرواية الرسمية، وتعيد الاعتبار للصوت الفلسطيني.
في المحصلة، يمثّل جاكوب كوهين أكثر من مجرد ناقدٍ للصهيونية؛ إنه صوتٌ متمرّد يعيد ترتيب الأسئلة، ويكسر احتكار الحقيقة، ويدفع بالنقاش إلى مناطق أكثر عمقًا وجرأة.
وفي عالمٍ تُصنع فيه السرديات بقدر ما تُصنع الوقائع، تصبح مثل هذه الأصوات ضرورة، لا ترفًا، في معركةٍ لم تعد تُخاض فقط على الأرض، بل في العقول والضمائر.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
20/3/2026 م
https://m.youtube.com/watch?v=3dJ9KvQOVhs
