بقلم: د.عادل جوده.العراق
يقدم الكاتب والمفكر د. عبد الرحيم جاموس في مقاله الأخير قراءةً مجهريةً بالغة العمق والتعقيد، لا تكتفي بملامسة القشرة السياسية للأحداث، بل تنفذ إلى جوهر الاستراتيجيات الكبرى التي تحرك رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط.
إننا أمام تحليل يفكك "شيفرة" الخطاب الترامبي، كاشفاً عن الهوة السحيقة بين ضجيج التهديدات وضجيج الصمت الدولي المريب تجاه المأساة الفلسطينية.
بلاغة الضغط وسراب المواجهة
يرى الدكتور جاموس ببراعة أن التصعيد الأميركي تجاه إيران ليس "قدراً عسكرياً" محتوماً، بل هو "تكتيك تفاوضي" خشن، يُستخدم فيه الوعيد كعملة صعبة لانتزاع التنازلات على طاولة المفاوضات، كما حدث في لقاءات مسقط الأخيرة. إنها "سياسة الحافة" التي يتقنها ترامب؛ حيث يتم استعراض العضلات العسكرية لتأمين المكاسب السياسية، مع الإبقاء على شعرة معاوية مع طهران عبر القنوات الخلفية.
فلسطين: الضحية في "ظلال" الصراع
النقطة الأكثر إيلاماً وتأثيراً في طرح
الدكتور جاموس هي رصده لعملية "تزييف الوعي الدولي". فبينما تتجه الأنظار نحو الصواريخ والملفات النووية، ينجح الاحتلال الإسرائيلي في ممارسة جرائمه تحت "دخان" هذا التصعيد. إن تحويل إيران إلى "بعبع" إقليمي وحيد ليس مجرد سياسة أمنية، بل هو عملية إحلال ممنهجة؛ تهدف إلى إزاحة القضية الفلسطينية من مرتبة "الأولوية الأخلاقية" إلى "الهامش المنسي".
> "إن الخطورة لا تكمن في احتمالية الحرب، بل في يقينية التهميش؛ حيث يُعاد تعريف جوهر الصراع من احتلال استيطاني يفتك بشعب، إلى نزاع أمني إقليمي يمكن إدارته بالصفقات."
تفكيك المشهد الإقليمي
يضعنا الكاتب أمام حقيقة صادمة: أن تضخيم الخطر الإيراني بات يعمل كـ "مظلة سياسية" تمنح الاحتلال وقتاً إضافياً لابتلاع الأرض وتغيير الوقائع على الأرض. إنها معادلة (التغطية مقابل التصعيد)
حيث يتم استهلاك الغضب العالمي في ملفات مُسيطر عليها تفاوضياً، بينما تُترك فلسطين تنزف وحيدة بعيداً عن صخب الكاميرات والبيانات الدولية.
خلاصة القراءة
لقد نجح د. عبد الرحيم جاموس في قرع ناقوس الخطر؛ محذراً من أن الانشغال بـ "الاستعراضات السياسية" بين واشنطن وطهران قد يكون الثمن الباهظ الذي تدفعه القدس وغزة. إن المقال ليس مجرد تحليل سياسي، بل هو وثيقة استشرافية تدعو العقل العربي والدولي لاستعادة البوصلة، وعدم السقوط في فخ الصراعات البديلة التي لا تخدم سوى استدامة الاحتلال.
كل التقدير لهذا القلم الذي يرفض أن تكون الكلمة مجرد حبر، ويصرُّ على أن تكون فعل وعيٍ يقاوم النسيان.
تحياتي واحترامي 🌹 🌺 🌸
