📁آخر الأخبار

قراءة نقدية في قصيدة "أَنِينُ الرُّفَات" للشاعرة د. أحلام أبو السعود.. بقلم/ د. عادل جوده


تأتي قصيدة "أَنِينُ الرُّفَات" للدكتورة أحلام أبو السعود كصرخة وجدانية عميقة تنبعث من قلب الركام في غزة، لتصيغ مأساةً تتجاوز حدود الموت التقليدي إلى ما هو أفظع: امتهان حرمة الموتى ونبش القبور. القصيدة ليست مجرد رثاء، بل هي وثيقة أدبية تسجل صمود الروح الفلسطينية في وجه محاولات المحو الوجودي.

عتبة العنوان ودلالة "الأنين"

اختارت الشاعرة عنواناً لافتاً "أَنِينُ الرُّفَات"، والرفات في الأصل صامت، لكنه هنا يئن. هذا التناقض الصارخ يعكس حجم الجرم الواقع؛ فالموت الذي يُفترض أن يكون "رُقاداً" نهائياً تحول إلى حالة من المعاناة المستمرة بسبب نبش القبور.

التحليل المضموني:

ما وراء الجوع واللظى

تنتقل الشاعرة في البيت الثاني إلى لب القضية:

> غَزَّتُنَا لَمْ تَبْكِ جُوعاً أَوْ لَظىً .. لَكِنَّهَا بَكَتِ امْتِهَانَ عِبَادِ

هنا نجد ترفعاً عن الألم الجسدي (الجوع والحرائق) مقابل التركيز على الألم المعنوي والكرامة الإنسانية. إنها تؤكد أن الفاجعة الكبرى ليست في نقص الموارد، بل في انتهاك القدسية البشرية التي كفلتها كل الشرائع.

التشكيل البصري والرمزي

استخدمت الدكتورة أحلام صورة "خمسون ألف منارة مطمورة" لتصف الشهداء. وصفهم بالمنارات يحولهم من جثث تحت التراب إلى مصادر للضوء والهداية، مما يمنح الموت بُعداً وظيفياً وجمالياً يتجاوز الفناء.

القوة والوعيد:

جدلية القبر والخلود

في قولها: "نبني الخلود بذمة الأحفاد"، تنتقل القصيدة من رصد المعاناة إلى التأسيس للمستقبل. هي ترى أن محاولة طمس معالم القبور لن تمحو الذاكرة، بل إنها تُورّث الأمانة للأجيال القادمة، مما يجعل "الخلود" بناءً معنوياً لا يحتاج إلى شواهد حجرية بقدر ما يحتاج إلى عقيدة راسخة.

الخصائص الفنية واللغوية

* اللغة:

اتسمت بالرصانة والقوة، مع استخدام مفردات تراثية قوية (يجتث، الأنجاد، الأوغاد) أضفت هيبة على النص.

* العاطفة:

مزيج معقد بين الانكسار أمام المشهد (الأنين) والشموخ أمام المعتدي (رغماً عن الأوغاد).

* الإيقاع:

التزمت الشاعرة بوحدة الوزن والقافية، مما خلق جرساً موسيقياً جنائزياً مهيباً يتناسب مع قدسية المقابر.

الخاتمة

إن قصيدة "أَنِينُ الرُّفَات" هي محاكمة أدبية للتاريخ والظلم. استطاعت د. أحلام أبو السعود أن تنقل صوت غزة من تحت الركام إلى آفاق الإنسانية، مؤكدة أن الحق في "الرقاد" لا يقل أهمية عن الحق في "الحياة"، وأن الكرامة الفلسطينية عصية على الدفن.

نص يستحق التأمل والنشر كوثيقة فنية تعكس وجعاً إنسانياً فريداً.

تحياتي واحترامي 🌹🌷🌹


أَنِينُ الرُّفَات

بقلم الشاعرة:

د. أحلام أبو السعود

༺༺༺༻༻

يَا دَهْرُ قِفْ.. هَذِي القُبُورُ تُنَادِي

مَا ذَنْبُ مَيْتٍ يُجْتَثُّ مِنْ رُقَادِ؟


غَزَّتُنَا لَمْ تَبْكِ جُوعاً أَوْ لَظىً

لَكِنَّهَا بَكَتِ امْتِهَانَ عِبَادِ


تَحْتَ الرُّكَامِ مَلَامِحٌ مَنْسِيَّةٌ

نَادَتْ بِحَقِّ الغُسْلِ وَالإِشْهَادِ


خَمْسُونَ أَلْفَ مَنَارَةٍ مَطْمُورَةٍ

صَارُوا أَنِيناً فِي فَمِ الأَنْجَادِ

إِنْ نَبَشُوا القَبْرَ الطَّهُورَ فَإِنَّنَا

نَبْنِي الخُلُودَ بِذِمَّةِ الأَحْفَادِ


لَا تَعْجَبُوا.. فَالظُّلْمُ أَعْمَى بَصِيرةً

وَالحُرُّ يُدْفَنُ فِي رُبَى الأَمْجَادِ


سَنَعُودُ لِلأَرْضِ الَّتِي نشتاقها

بِكَرَامَةٍ.. رَغْمًا عَنِ الأَوْغَادِ

عاشقة فلسطين 🇵🇸
د. أحلام أبو السعود
غزة /فلسطين 🇵🇸
تعليقات