📁آخر الأخبار

قصة الملك شريخان والفقير


في حدود سنة 1530م، كان هناك ملكٌ مسلم يحكم أفغانستان وأجزاء واسعة من الهند، يُعرف باسم شيرخان.

وقد اشتهر هذا الملك اشتهارًا عظيمًا بالعدل والإنصاف، حتى عدَّه الناس أعجوبة من أعاجيب الزمان، وقلّ أن وجدوا له نظيرًا بعد عصور الصحابة والتابعين، بل إن بعضهم شبّهه بالفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأوه من شدته في الحق، ورحمة بالضعفاء، وخوف من الله.

كان لشيرخان جيشٌ مرابط على حدود دولته، يتمركز في مناطق جبلية عالية ذات أهمية عسكرية.

وعلى إحدى قمم تلك الجبال، كان يعيش رجلٌ فقير مع أسرته في كوخٍ صغير، اعتاد فيه حياة الجبال: الصيد، والاحتطاب، ورعي الأغنام، والاعتماد على الطبيعة القاسية التي ألفها قلبه وجسده.

وفي يومٍ من الأيام، احتاج الجيش إلى إخلاء ذلك الموقع الجبلي لأسباب تتعلق بالخطط العسكرية والتحصينات الدفاعية، فقام الجنود بهدم كوخ الرجل.

نزل الفقير من الجبل إلى السهول المنبسطة، وحاول أن يبدأ حياة جديدة، لكنه لم يستطع التأقلم. لم يطق هواء السهول، ولا أسلوب عيشها، ولا طبيعتها المختلفة.

كانت روحه معلّقة بالجبل، وكان رزقه مرتبطًا بمرتفعاته، فلم يجد راحة، ولا استقرارًا، ولا سكينة.

عندها قرر أن يتوجه بنفسه إلى الملك شيرخان، ليشكو إليه ما فعله قائد الجيش، ويعرض عليه مظلمته.

شدّ الرجل رحاله، وسار حتى بلغ المدينة التي فيها مقر الحكم. وهناك سأل الناس:

“أين أجد الملك شيرخان؟”

فكان الجواب يجيئه غريبًا متكررًا:

“ستجده عند أطراف المدينة، يلعب مع الأطفال.”

ظن الرجل أن القوم يسخرون من هيأته البسيطة وفقره، فأعاد السؤال على غيرهم، فجاءه الجواب نفسه. فمضى إلى المكان الذي وصفوه له، خلف المسجد الكبير في البلدة.

فلما وصل، وجد ساحةً واسعة، فيها أطفال يلبسون أجمل الثياب وأفخرها، ويلهون ويمرحون. ورأى بينهم رجلًا بلباسٍ متواضع، يجلس معهم، ويلاعبهم، ويضحك لهم. فسأل من كان قريبًا منه:

“من هؤلاء الأطفال؟”

قيل له:

“هؤلاء يتامى المسلمين.”

فقال متعجبًا:

“ولكن مظهرهم لا يدل على أنهم أيتام!”

فقال الرجل:

“بل إن الملك شيرخان أمر أن يُلبس الأيتام عندنا أحسن الثياب، وأن يكون مظهرهم أكرم من مظهر سائر الأطفال، حتى لا ينكسر خاطر يتيم، ولا يشعر أحدٌ بنقصه.”

حينها اطمأن قلب الفقير، وحمد الله، وحسن ظنه بربه، ورجا أن يكون قد وُفّق إلى باب ملكٍ عادل.

فلما فرغ الملك من اللعب مع الأطفال، جاءه أحد خدمه، وأخبره أن رجلًا غريبًا ينتظر عند طرف الساحة، يريد أن يرفع إليه حاجة.

فتغيّر وجه شيرخان، وقال له معاتبًا:

“ولِمَ لم تدخله عليّ منذ حضر؟

يا رجل، لعل الغريب جائع، أو خائف، أو مكسور القلب، أو غير آمن! كيف طاوعك عقلك أن تؤخّره عنا؟

سامحك الله.”

ثم أسرع الملك بخطاه، ولم يقف يطيل العتاب، حتى لا يطيل انتظار صاحب الحاجة.

فلما وقف أمام الفقير، قال له بكل تواضع:

“لبيك يا عبد الله… أنا خادمكم شيرخان. هل لك من مظلمة نقضيها لك، بإذن الله تعالى؟”

فبُهِت الرجل، واضطرب لسانه، وعجز عن الكلام من شدة الدهشة.

فابتسم الملك في وجهه، وقال بلطف:

“تكلّم يا عبد الله، ولا تخف إلا من الله.

والله، لو كان حقك عندي، لأمكنتك أن تقتصّ مني الآن.”

فازداد الرجل ذهولًا، ثم قصّ عليه قصته كاملة: كوخه، والجبل، والجيش، والنزول إلى السهول، والعجز عن العيش.

فلما انتهى، قال له شيرخان دون تردد:

“أبشر يا عبد الله. فقد ثبتت مظلمتك، وهي في ذمتي حتى تؤدّى إليك كاملة.”

ثم أمر في الحال أن يُؤخذ بيت قائد الجيش، وأن يُباع أو يُهدم، ليُبنى بثمنه للفقير بيتٌ على قمة الجبل نفسها، في الموضع الذي اعتاده. وأمر كذلك ببناء قلعة عسكرية بجواره، فيها أبراج وحامية، لتأمين المنطقة، وحماية الحدود، وصون بيت الرجل من أي اعتداء.

فلم يملك الفقير نفسه من الدهشة، وجعل يضرب كفًّا بكفّ، ويحاول أن يشكر الملك، ويثني عليه.

فقاطعه شيرخان بجدٍّ ممزوج بتواضع، وقال:

“يا هذا، لا تشكرني على أن رددتُ لك حقك. فهذا ليس مالي، ولا مال أبي، وإنما هو مال الله، استخلفنا فيه، لنقيم به العدل، ونخدم به ضعفاء المسلمين قبل أقويائهم.

والله الذي لا إله غيره، لأن أخسر معركة، فأُؤسر، وتُقطّع أوصالي، وتأكلني السباع والطير، أهون عليّ من أن ألقى الله يوم القيامة، وعلى كتفي مظلمة فقير يخاصمني بها بين يدي الله عز وجل.”
تعليقات