تقرير من اعداد
د.أحمد لطفي شاهين
حرب الضمّ الصامتة
بينما كان (ولا يزال احيانا) يتصاعد الدخان في قطاع غزة اثر القصف والنسف والتفجير، كانت "دولة الاحتلال الصهيوني" ولا زالت تتحرك على جبهة صامتة لا تقل خطورة في الضفة الغربية. حيث تدفع سلطات الاحتلال بخطة ضمّ متسارعة تبدو وكأنها الحرب الأكثر حسماً في مستقبل الصراع العربي الصهيوني ... إذ تستثمر الحكومة الصهيونية الانشغال الدولي بحرب غزة ومآسيها الانسانية لترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية بهدوءٍ استراتيجي وصمت وخبث ، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن اللحظة الراهنة هي نافذة تاريخية لتغيير قواعد الصراع وفرض امر واقع جديد يهدف الى إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية ومنع قيام الدولة الفلسطينية نهائيًا.
ومنذ لحظة احتلال قطاع غزة والضفة الغربية عام 1967 ، لم يكن الأمن الصهيوني مجرد ذريعة عسكرية لاحتلال مؤقت، بل تحوّل إلى منظور بنيوي تُعاد من خلاله صياغة الجغرافيا والسيادة… فإسرائيل تسيطر فعلياً اليوم على أكثر من %50من مساحة قطاع غزة واكثر من %60 من مساحة الضفة الغربية. وهذه السيطرة تُدار بآليات أمنية تضمن استمرار الاحتلال، وتمنع قيام كيان فلسطيني متصل جغرافيًا أو سياديًا.
لقد وجدت دولة الاحتلال نفسها أمام معضلة جيوستراتيجية حاد ة بعد حرب 1967، فحدودها قبل الحرب كانت ضيقة، إذ لم يتجاوز عرضها في بعض المناطق 14 كيلومترًا بين البحر المتوسط والضفة الغربية. ومن هذا المنطلق، تبنّت القيادة العسكرية نظرية " العمق الاستراتيجي"، معتبرةً أن الاحتفاظ بالضفة الغربية يشكل درعًا طبيعيًا ضد أي تهديد قادم من الشرق.
ولقد تجسدت هذه الرؤية في خطة "آلون " (1967)، التي دعت إلى إبقاء السيطرة الصهيونية على غور الأردن كمنطقة أمنية عازلة ، والسماح للفلسطينيين بإدارة جيوب سكانية صغيرة فقط غرب غور الاردن
. ورغم تغيّر الحكومات الصهيونية ظلّت هذه الخطة تمثل الركيزة الثابتة في العقيدة الأمنية الصهيونية: لا انسحاب من المناطق ذات القيمة الأمنية والجغرافية العالية مهما كان الثمن.
و في عام 1983 ، جاء الأمر العسكري رقم 50 ليؤسس شبكة طرق استراتيجية تربط المستوطنات بالمدن الإسرائيلية وتعزل التجمعات الفلسطينية. بينما جاءت خطة " مشروع شارون" أو ما يعرف بـ"قضية النجوم " في التسعينات لتوسيع المستوطنات المحيطة بالقدس وإزالة الحدود بين " الخط الأخضر" والمناطق المحتلة.
إذن لم تعد المستوطنات مجرد تجسيد لأيديولوجيا " أرض الميعاد"، بل أصبحت خطوط دفاع متقدمة في بنية الأمن القومي الصهيوني لذلك تعمدت حكومات الاحتلال المتعاقبة إنشاء مستوطنات ضخمة على المرتفعات الشرقية والغربية للضفة مثل "آريئيل" و" معاليه أدوميم "، لتعمل كـ"حواجز طبيعية" تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض. ....... وهذه الاستراتيجية لم تؤدي فقط إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويلها إلى جزر سكانية محاصرة ، بل أسست لمنظومة أمنية ميدانية متكاملة كبديل عن الوجود العسكري الصهيوني المباشر.
فلقد اقامت دولة الاحتلال نحو %80 من المستوطنات في مواقع جغرافية مرتفعة تمنحها قدرة مراقبة شاملة لتحركات الفلسطينيين من الشمال إلى الجنوب وهذه هي عقيدة اليهود في اختيار المناطق العالية وبناء (الكانتونات والجيتوهات) المغلقة حتى لا يتعاملوا مع الغرباء ولا يصل لهم الغرباء ولقد تطورت العقيدة الصهيونية مع بداية سنة 2000 وذلك بسبب الازدياد السكاني لعدد الفلسطينيين داخل الارض المحتلة فاصبح "الامن الديمغرافي " مصطلح متداول في الاوساط الصهيونية واصبح الجدار العازل ضرورة امنية وذريعة لابتلاع الاراضي الفلسطينية بحجة حماية الامن الصهيوني ..
نعم لقد تغيّر تعريف " التهديد " داخل المؤسسة الأمنية الصهيونية؛ فلم يعد الخطر الرئيسي متمثلاً في الجيوش العربية، بل في التحوّل الديموغرافي الفلسطيني الذي سوف يُفقد "دولة الاحتلال" تفوقها العددي داخل الأرض المحتلة والتي من المفترض ان تكون اراضي الدولة اليهودية الخالصة كما اعلنها رئيس وزرائهم " اسرائيل الكبرى".
ومن هنا وُلد مفهوم "الأمن الديموغرافي"، الذي يقوم على السيطرة على الأرض دون ضم السكان، أي احتلال الأرض وتقليل عدد السكان الفلسطينيين بالقتل او دفعهم الى الهجرة بسياسة التضييق الاقتصادي والحواجز والبوابات والاعتقال والاقتحام والقمع وهدم البيوت والمزارع واقتلاع الاشجار
ولقد شكّل جدار الفصل العنصري عام 2002 ذروة هذا التحول: جدار اسمنتي مرتفع يفصل الكتل الاستيطانية الكبرى عن التجمعات الفلسطينية، ويُبقي نحو 85 % من المستوطنين داخل ما يسميه الاحتلال "المنطقة الآمنة".
ولكن الجدار المعلون هذا تجاوز غايته الأمنية المعلنة ليصبح أداة سياسية ترسّخ الضمّ الجغرافي الفعلي وتفرض واقع حدودي جديد.ومع تصاعد التهديدات من غزة ولبنان، أعادت "دولة الاحتلال" تعريف الضفة الغربية باعتبارها جبهة الأمن الداخلي؛ أي المنطقة التي لا يمكن فقدان السيطرة عليها؛ لأنها تمثل " قلب الدولة " من حيث الجغرافيا والسكان. من منظور الجيش الإسرائيلي، وبالتالي فإن الانسحاب من الضفة يعني ترك وسط "الدولة" مكشوفًا، بل جعل "تل أبيب" نفسها على مرمى نيران قصيرة المدى في المستقبل. ولذلك، تُصرّ المؤسسة العسكرية على الاحتفاظ بسيطرة كاملة على غور الأردن بوصفه الحزام الأمني الشرقي، وسيطرة كاملة على المرتفعات الوسطى كنقاط مراقبة مركزية.
إضافة إلى المعابر والحدود التي تُعد أدوات أساسية للتحكم في الحركة والاقتصاد الفلسطيني….
ومع تصاعد نفوذ اليمين المتطرف، دخلت خطة الضم مرحلة جديدة تُعرف بـ "عسكرة الاستيطان"، حيث سمحت حكومة بنيامين نتنياهو بتسليح المستوطنين وتشكيل ميليشيات محلية تحت إشراف وزارة الأمن القومي التي يقودها المتطرف المعتوه بن غفير... وهكذا تحولت المستوطنات إلى وحدات دفاعية ميدانية ، والمستوطن إلى "جندي مدني" في خدمة المشروع القومي الصهيوني. وهذه السياسة رسّخت مبدأ أن الأمن لا يُدار من الجيش فقط، بل من المجتمع الاستيطاني ذاته، وهو ما يعكس تحولًا جذريًا في العلاقة بين الأمن والهوية داخل "الكيان الصهيوني ".
إن حرب الضمّ الصامتة قائمة فعليًا منذ سنوات، لكن "دولة الاحتلال" تسعى اليوم إلى منحها غطاءً قانونياً وسياسياً وإن جوهر البعد الأمني في مشروع الضمّ هو الاستمرارية فالعالم يرى ويظن أن الاحتلال حالة مؤقتة يمكن ان تنتهي بشكل او بآخر، بينما يراه الاحتلال حالة أمنية دائمة ولذلك يقوم بضم مساحات كبيرة من اراضي الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة حتى يتم تثبيت امر واقع خطير جدا على الارض المحتلة بحيث لا يمكن تغيير هذا الامر الواقع مستقبلا ولا يمكن اقامة دولة فلسطينية لأنه لم يتبقى ارض فلسطينية أصلاً لإقامة حتى دويلة فلسطينية وهكذا فإن كل مستوطنة جديدة، وكل طريق التفافي، وكل نقطة تفتيش، ليست تفصيلاً ميدانياً، بل جزء من هندسة استراتيجية استيطانية كبرى تُعيد تعريف معنى الأمن والسيادة والحماية ومنع الارهاب .. وبلغة الارقام : في عام 2025 وحده، ارتفع عدد وحدات البناء المخصصة للتوسع الاستيطاني إلى 2,749 وحدة خلال ستة أسابيع فقط، في مؤشر واضح على أن مشروع " الأمن عبر التوسع" لا يعرف التوقف.
كما، كشفت تقارير فلسطينية أن نحو % 44.5 من مساحة الضفة الغربية باتت تحت سيطرة الإحتلال المباشرة أو غير المباشرة. وتشير بيانات بحثية إلى أن نحو 50 ألف وحدة استيطان ستُعتمد في 2025، وهو رقم يُعدّ أربعة أضعاف العام السابق.
كما تقدّم خطّة وزير المالية الإسرائيلي بتسيلئيل سموتريتش المسؤول عن ملف المستوطنات اقتراحاً لضم نحو %82 من الضفة الغربية، بما يقضي على فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة تقريبًا.
وهكذا، حين تتحدث "دولة الاحتلال" عن الضم، فهي لا تعني مجرد توسيع الحدود، بل تثبيت معادلة وجودية تُلخّص فلسفتها الأمنية منذ نكبة
1967 وهي :
" لا أمن بلا أرض، ولا أرض بلا سيطرة صهيونية كاملة".
وكل ما تقدم يؤدي الى شرعنة سرقة الارض القائمة على البعد السياسي
فمنذ عقود ، يشكل المشروع الاستيطاني أحد أعمدة السياسة الإسرائيلية، ليس فقط باعتباره نشاطًا عمرانياً، بل أداة سياسية تهدف إلى فرض وقائع ميدانية تُفرغ مفهوم "حل الدولتين " من مضمونه. وفي هذا الإطار تنتهج دولة الاحتلال منذ عقود ما يمكن تسميته بـ" الضم الزاحف" أي الضم التدريجي الهادئ الصامت الذي يُنفذ خطوة بخطوة لتفادي ردود الفعل الدولية تماما مثل مرض السرطان الذي يتفشى بصمت ويؤدي للانتكاسة المفاجئة وعدم القدرة على العلاج وهكذا اعتمدت دولة الاحتلال على التوسع الاستيطاني السرطاني لتنفيذ الضم كاستراتيجية غير معلنة .وهذه الاستراتيجية لا تعتمد على إعلانٍ سياسي مباشر، بل على تراكمٍ جغرافي بطيء ، يتمثل في توسّع المستوطنات ، وتغيير طبيعة المناطق المصنفة "ج" ، ودمجها إدارياً ضمن بنية دولة الاحتلال.
فعلى سبيل المثال، شكّلت مستوطنة " معاليه أدوميم " التي تمتد حتى حدود غور الأردن ما يقارب % 10 من مساحة الضفة الغربية، ضمن ما يُعرف بـ "مشروع القدس الكبرى " الذي يهدف إلى فصل القدس عن محيطها الفلسطيني ودمجها جغرافيًا في عمق دولة الاحتلال. أما مستوطنة "آريئيل "، وهي الأكبر في شمال الضفة، فقد تحوّلت إلى حاجز استراتيجي يفصل شمال الضفة الغربية جنين ونابلس) عن وسطها ( رام الله ،
مما يجعل التواصل الجغرافي الفلسطيني شبه مستحيل حاليا بسبب الحواجز والجدار ومستقبلا بسبب وجود سكان مستوطنين يهود بالآلاف لا يمكن اقناعهم بترك بيوت ومدارس استقروا فيها ظلما وعدوانا وسيكون ذلك موضع تفاوض وستضطر أي جهة فلسطينية للتنازل عن ارض مقابل ازالة حاجز او ارض اخرى.
اما الموقف الأمريكي: فهو يوافق ضمنيا بل هو شريك متواطئ :
ف.في تموز / يوليو 2025، صوّت الكنيست على قرار يطالب بضمّ الأراضي المعروفة توراتياً بـ "يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وفي شهر أكتوبر/ تشرين أول 2025، أقرّ كنيست الإحتلال ، قراءة أولى لمشروع قانون يوسّع سيادة الدولة على نحو أكثر من 60 ٪ من الأرض التي تحكمها سياسة الاحتلال منذ عام 1967.وهذه المصادقة على قانون ضم الضفة الغربية بالتزامن مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي دي فانس لـ "تل أبيب" لم تكن مصادفة، بل رسالة بأن الضم مشروع "إجماع وطني صهيوني " مدعوم أمريكياً. وهذه المصادقة خطوة محسوبة ورسالة دقيقة تعكس التوافق و تقاطع المصالح بين الائتلاف الحاكم حاليا والمعارضة داخل " دولة الاحتلال".
فاليمين الصهيوني المتطرف استخدم لحظة الضم لإظهار أن أي اعتراض أمريكي قد يُفسّر كصدام بين "أكبر ديمقراطيتين في العالم "؛ للتأثير على الرأي العام الأمريكي. ومن الواضح ان الإدارة الأمريكية الحالية لا ترفض الضم من حيث الجوهر، بل من حيث التوقيت ، إذ تعتبر أن تأجيل الإعلان يخدم أولوياتها في التهدئة الإقليمية وتهيئة المناخ لـ "لتطبيع الإقليمي الموسع".
بمعنى آخر، فإن الخلاف بين واشنطن و تل أبيب تكتيكي لا استراتيجي: وكلا الطرفين يتبنيان الرؤية ذاتها تجاه مستقبل الضفة الغربية ، لكنهما يختلفان في التوقيت وطبيعة الإعلان،
إن " دولة الاحتلال" تدرك تماماً أن الشرعية الأمريكية بالنسبة لها أثمن من أي شرعية دولية، لذلك تُوازن خطواتها بين التوسع الميداني الصامت والحفاظ على الغطاء السياسي الأمريكي الذي يمنحها حصانة في مواجهة المجتمع الدولي وبذلك يترسخ المبدأ الاستراتيجي الصهيوني". التوسع أولاً والتفاوض لاحقاً " وفي قراءة عميقة لهذا المبدأ الاستراتيجي الخطير، لا يمكن النظر إلى حرب الضم في الضفة الغربية باعتبارها رد فعل ظرفيّ أو مناورة انتخابية، بل هو تحول استراتيجي طويل المدى يعيد صياغة بنية الصراع العربي الصهيوني.
فمنذ "خطة آلون" عام 1967 وحتى"صفقة القرن" في 2020 ، حافظت "دولة الاحتلال" على منهجيتها الثابتة: (( التوسع أولاً ، والتفاوض لاحقاً، ))
وهذا الضمّ بالنسبة لليمين الإسرائيلي المتطرف هو إعلان وفاة رسمي لفكرة الدولة الفلسطينية. أما بالنسبة للولايات المتحدة فهو ورقة ضغط إقليمية مؤجلة تُستخدم حين تنضج اللحظة السياسية المناسبة لإعادة صياغة "التسوية النهائية" وفق الرؤية الأمريكية -الصهيونية المشتركة.
إن البعد السياسي لخطة الضم في جوهره، يعكس تحول "دولة الاحتلال" من دولة تبحث عن أمنها إلى دولة تسعى لشرعنة توسعها الاستيطاني
فبينما يُقدَّم الضم بوصفه "استجابة للأمن قومي"، تكشف السياسات الميدانية أنه أداة لإلغاء الكينونة الفلسطينية سياسيًا وجغرافياً
.روبين الخطاب الأمريكي عن "السلام الإقليمي" والخطاب الصهيوني" عن "الحق التاريخي"، تتلاشى تدريجياً فكرة الحل السياسي، (( حل الدولتين)) لصالح واقعٍ جديد عنوانه:
سيادة بلا حدود، واحتلال بلا نهاية.
ورغم انخراط السلطة الفلسطينية في مسار التسوية منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، الذي اقيم على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، استمرت "دولة الاحتلال" في توسيع المستوطنات بلا توقف وتجاهلت كل القرارات الدولية وعلى رأسها؛ قرار مجلس الأمن 242 الذي يرفض الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بالقوة.
واليوم، ومع تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية حاجز الـ 700 ألف، يبدو بوضوح أن المشروع الاستيطاني لم يعد عائقاً مؤقتاً، بل تحول إلى سياسة صهيونية بنيوية تهدف إلى تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وهو ما يهدد بإدامة الصراع ونسف أي أفق لحل سياسي عادل ودائم.
لقد ظلّ القانون الدولي (( الأعرج مزدوج المعايير )) وعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، يشكّل أحد أهم الأسس التي استندت إليها المنظومة الدولية في متابعة الصراع العربي- الصهيوني. وهذا البعد القانوني مزدوج المعايير ادى الى شرعنة الاحتلال بالقوة حيث تعدُّ المستوطنات في الضفة الغربية وشرق القدس، وبنصّ اتفاقيات جنيف الرابعة، خرقًا صريحًا للقانون الدولي الذي يحظر على دولة الاحتلال نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة أو مصادرة مواردها
ورغم هذا الوضوح القانوني والإجماع الدولي الراسخ، تستمر دولة الاحتلال في فرض واقع ميداني يناقض كل القرارات الدولية، مستخدمة خليطاً من الأدوات والذرائع السياسية والاحكام القانونية الظالمة لشرعنة احتلالها الزاحف.
وهذا التناقض بين الشرعية القانونية الدولية ومنطق القوة بات يمثل أحد أبرز مظاهر تآكل النظام الدولي القائم على القانون الدولي مزدوج المعايير، ويكشف عن تحوّل في طبيعة الصراع من نزاع على الأرض إلى نزاع على تعريف الشرعية ذاتها. فالقانون الدولي الإنساني يؤكد، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، أن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 هي أراضي محتلة بالقوة لا يجوز المساس بوضعها القانوني، ولا يحق لدولة الاحتلال نقل سكان مستوطنين إليها أو مصادرتها تحت أي ذريعة.
إذن.. كافة قرارات الشرعية الدولية أقرت بتحريم إنشاء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي المحتلة عام 1967 .وهذه القرارات تستند إلى منظومات قانونية متكاملة مثل معاهدة لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة، التي تؤكد صراحة أن الاحتلال لا يمنح المحتل أي حق في تملك الأرض أو تغيير طبيعتها الديموغرافية
كمان إن قرار مجلس الأمن رقم (2334) الصادر أواخر عام 2016 جاء ليعيد التأكيد على هذا المبدأ.ويعتبر الأنشطة الاستيطانية "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي"، مشدداً على رفض الأمم المتحدة كافة أشكال الضم ، سواءً في الضفة الغربية أو القدس الشرقية او قطاع غزة.
لكن "دولة الاحتلال"، طوّرت منظومة قانونية هجينة تمكّنها من تجاوز الالتزامات الدولية دون إعلان صريح بذلك. فهي "تستخدم مزيجاً من القوانين العثمانية والبريطانية والأردنية، إلى جانب أوامرها العسكرية الخاصة، لتبرير السيطرة على الأراضي الفلسطينية"،.وتقوم هذه المنظومة على منطق بسيط لكنه فعّال وهو:
تحويل القانون الدولي والصهيوني إلى أداة استعمارية توسعية
بدل أن يكون قيداً على سلطة الاحتلال
إن المشرع الصهيوني يعتبر ان الضفة الغربية ليست "أراضي محتلة"، بل "أراضي بلا سيادة" أو "في حالة فراغ قانوني"، ما يتيح لدولة الاحتلال - من منظورها- ممارسة صلاحياتها كدولة قائمة بإدارة الأرض لا كقوة احتلال. وهذا الخطاب القانوني تطوّر ليصبح جزءاً من السردية الصهيونية الجديدة، التي تصف الضفة الغربية بأنها " يهودا والسامرة " جزء من أرض إسرائيل التاريخية التي استُعيدت بعد غياب قسري لليهود في العالم بعيدا عن ارض الميعاد وفقا للتوراة المزورة... وتشير هذه السردية المزيفة إلى أن الفلسطينيين سكان طارئون يمكنهم البقاء فقط في مناطق معزولة لا تمتلك مقومات الدولة أو الاستقلال لذلك.انتقلت " دولة الاحتلال في السنوات الأخيرة " من مرحلة الالتفاف القانوني إلى مرحلة فرض الأمر الواقع. فقد أقرّ الكنيست قوانين تمهّد لضم المستوطنات رسمياً، معتبراً أن أي تشريع يصدر عن الكنيست هو "المرجعية القانونية العليا" ، خصوصاً مع الغطاء السياسي الذي توفره الولايات المتحدة
وفي هذا السياق، كشف رئيس مجلس المستوطنات الأعلى أنه طالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإعلان ضمّ المنطقة" ج " فوراً لكن نتنياهو أجابه بأن الظروف السياسية لم تنضج بعد ، داعياً إلى الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة بانتظار اللحظة المناسبة لإعلان الضم الكامل للضفة الغربية والقدس وهذه السياسة تُترجم على الأرض عبر أدوار متكاملة لوزراء الحكومة المتطرفة فالوزير .سموترتش يشرف على تمويل مشاريع التوسّع الاستيطاني، بينما يعمل بن غفيرعلى تسليح المستوطنين وتوفير الحماية الميدانية لهم.
وتبرز نتائج هذه السياسة في شمال القدس، حيث أقدمت سلطات الاحتلال على ضم أراضٍ واسعة من قرى النبي صمويل وقرى الجيب وقطنة ، بما يشمل المساكن دون سكانها. إذ يُسمح للفلسطينيين هناك بالوصول إلى بيوتهم فقط، من دون أي حقوق إقامة أو خدمات مدنية، ما يجعلهم عملياً "سكاناً بلا أرض" داخل منطقة ضُمت قسراً إلى حدود "القدس الكبرى".
وكما قلت سابقا اعود واؤكد أن التجربة الفلسطينية في السنوات الأخيرة كشفت أن الصراع مع الاحتلال لم يعد صراعًا حول الأرض فحسب، بل صراع حول تعريف الشرعية الدولية ذاتها.
فبينما تستند فلسطين إلى النصوص القانونية وقرارات الأمم المتحدة، تعتمد " دولة الاحتلال" على "شرعية القوة" و "قوة الشرعية" ، أي قدرتها على فرض تفسيرها الخاص للقانون الدولي بدعم سياسي امريكي و غربي.
و استمرار هذا النهج الصهيوني يهدد منظومة القانون الدولي برمّتها، حيث سيمنح الاحتلال شرعية دولية خصوصا إذا كان مدعومًا بالقوة الامريكية، وستتراجع العدالة الدولية حين يفقد القانون الدولي أدوات التنفيذ.
وبذلك، لا يعود السؤال حول مستقبل الدولة الفلسطينية فحسب، بل حول مستقبل النظام الدولي ذاته فهل يمكن للقانون الدولي أن يظلّ مرجعية للعدالة في عالم تُعيد فيه " دولة الاحتلال" - ومعها قوى أخرى مشابهة لها وداعمة لها - تعريف معنى الشرعية الدولية وفق مصالحها الخاصة وموازين القوى الدولية ؟.
البعد الديني والتاريخي :
ختاما فإننا لا يمكن أن نفهم حرب الضمّ القائمة في الضفة الغربية والقدس وغزة حاليا دون إدراك البعد الأيديولوجي الذي يمنح الاحتلال الصهيوني غطاءً دينيًا، ففي الرواية الصهيونية، ترتبط السيطرة على "يهودا والسامرة وهو الاسم التوراتي للضفة بب "الحق الإلهي" في أرض الميعاد. ويستند الصهاينة في ذلك إلى روايات توراتية تعتبر مدنًا مثل القدس والخليل وبيت لحم قلب " أرض الميعاد"، حيث يُصوَّر الوجود الصهيوني هناك كاستمرارية تاريخية علما أن الصهيونية لم تكن منذ نشأتها حركة دينية، بل كانت ولا تزال علمانية ذات أهداف استعمارية واقتصادية وديمغرافية .
لكن الحركة الصهيونية استخدمت الدين كوسيلة لتبرير السيطرة على الأراضي الفلسطينية.وهذا التحول في الخطاب الصهيوني من السياسي إلى الديني تزايد مع صعود نفوذ الأحزاب الدينية داخل "دولة الاحتلال" ومحاولة اليمين كسب تأييد التيارات المسيحية الإنجيلية في الغرب خصوصا الولايات المتحدة (البروتستانتية)
و هذا التداخل بين الدين والسياسة يُنتج خطابًا مزدوجاً داخلياً، لحشد الشارع الصهيوني حول فكرة أن ضم الضفة الغربية والقدس هو تطبيق لإرادة إلهية.
بينما خارجياً، يتم تسويق المشروع الصهيوني بوصفه تجسيداً لنبوءة دينية تتناغم مع معتقدات جمهور المحافظين الغربيين، خصوصاً في الولايات المتحدة كما قلت. وهذه الرواية الدينية تتجاوز كونها موروثاً ثقافياً إلى كونها أداة تعبئة سياسية؛ فالتيار الديني القومي داخل دولة الاحتلال يرى في الضفة الغربية أرضاً مقدسة، والسيطرة عليها واجباً عقائدياً يجب توريثه لكل اطفال وجنود اليهود وتنفيذ ذلك لإرضاء الرب وهذا التحول في بنية الخطاب جعل الصراع في جوهره عقائد ياً ووجودياً لا سياسياً
فـس "سلطات الاحتلال" لم تعد تتحدث عن حدود أو تفاوض أو أمن، بل عن حق تاريخي وديني في الأرض ، وبهذا، يتراجع منطق "حل الدولتين " أمام سردية تتعامل مع الجغرافيا باعتبارها عقيدة لا يمكن ان تكون موضوع تفاوض. والنتيجة: أن الاحتلال اكتسب غطاءً أيديولوجياً يصعب تفكيكه بالمفاوضات أو الضغط الدبلوماسي؛ لأن ما يُقدَّم على أنه " أمن قومي" يُعاد إنتاجه في الوعي الصهيوني كـ "قدر تاريخي"،
أما في ميداياً ، فيتم ترجمة هذه العقيدة إلى خطوات ملموسة مثل: إعادة تسمية المستوطنات بأسماء توراتية، وإنشاء متاحف ومراكز دينية في مناطق حساسة مثل القدس والخليل، لتثبيت الهوية اليهودية على الأرض.
, وهذه الممارسات ليست مجرد أدوات رمزية، بل إعادة هندسة للذاكرة المكانية تهدف إلى محو الرواية الفلسطينية واستبدالها بسردية دينية تمنح الوجود الصهيوني طابعاً "أبدياً".
ومع مضيّ "الإحتلال" في فرض الوقائع على الأرض، يظهر واضحا أن الضمّ لم يعد مجرد سياسة توسعية، بل تحوّل إلى استراتيجية وجودية تُعيد تعريف معنى الدولة والحدود والسيادة في الشرق الأوسط.
ان ما يجري في الضفة الغربية ليس توسعًا جغرافيًا فحسب، بل إعادة هندسة للمنطقة العربية بأكملها تحت لافتة الأمن والتاريخ والدين.
وفي ظلّ انكفاء الإرادة الدولية وانشغال او غياب الارادة العربية والاسلامية يرسم الاحتلال واقعًا أحادياً عنوانه: سيادة بلا حدود، واحتلال بلا نهاية وهي نقطة اللاعودة الى ما قبل عام 2000 وذلك للتهرب من كل استحقاقات اوسلو رغم هشاشتها بالنسبة للشعب الفلسطيني لكننا وكما يقول المثل
( رضينا بالهم والهم مش راضي فينا ) ..
فالشعب الفلسطيني تم احتلال ارضه كاملة من البحر الى النهر سنة النكبة 1948 واضطرت منظمة التحرير الفلسطينية في اتفاقية اوسلو الى القبول بحدود النكسة 1967 لكن الاحتلال الصهيوني يستكثر على شعبنا هذا الجزء البسيط من الاراضي الفلسطينية المحتلة
وبينما تتحدث العواصم العربية والاوروبية والاسلامية عن "حل الدولتين" ، تُكرّس "دولة الاحتلال" على الأرض واقعا استيطانيا توسعيا يجعل من ضم الضفة الغربية نقطة اللاعودة في مسار الصراع الفلسطيني – الصهيوني
لقد كان هذا التقرير لمحة للتنبيه وطرقة على جدران خزان الصمت العالمي لعلهم ينتبهوا الى هذه الحرب الصامتة الخطيرة التي لا يركز عليها الاعلام العربي ولا العالمي والتي يقوم تلفزيون فلسطين بتقديم تقارير كاملة تفصيلية عنها بشكل مهني وموثق ودقيق جدا لكن لا يتناقل ذلك الجهد الاعلامي المحلي الفلسطيني أي جهات اعلامية ذات صيت دولي
ارجو من الجميع متابعة هذا الامر والالتفات الى هذا الجانب الخطير من جوانب الصراع العربي الصهيوني وانا اقول العربي الصهيوني وليس الفلسطيني الصهيوني لأن دول الاحتلال تعادي كل العرب وتخطط لاحتلال بلاد العرب كلها عبر بوابات التطبيع والديانة الابراهيمية والتسلل الاقتصادي
الاحتلال الصهيوني وفقا للتوراة يعتبر العرب "غوييم " بمعنى خدم وعبيد لابناء الرب وهم اليهود شعب الله المختار كما يقولوا في ديانتهم وهكذا يتربى ابناؤهم في المدارس ورياض الاطفال والمؤسسات .. فالعنصرية والحقد على كل من هو عربي وكل من هو غير يهودي هي اساس من اسس العقيدة الصهيونية ويجب ان ندرك ذلك وان لا نثق بالاحتلال مطلقا وان نتعامل مع أي مبادرة او مقترح صهيوني بحذر شديد وتركيز وذكاء وإلا فإن مستقبل الشرق الاوسط كله سيكون مظلم اكثر مما تتخيلوا
اللهم هل بلغت .. اللهم فاشهد
حرب الضمّ الصامتة
في فلسطين
استراتيجية صهيونية صامته
لشرعنة الإحتلال
والتحايل على القانون الدولي
تقرير من اعداد
د.أحمد لطفي شاهين
مقدم الى من يهمه الأمر
حرب الضمّ الصامتة
بينما كان (ولا يزال احيانا) يتصاعد الدخان في قطاع غزة اثر القصف والنسف والتفجير، كانت "دولة الاحتلال الصهيوني" ولا زالت تتحرك على جبهة صامتة لا تقل خطورة في الضفة الغربية. حيث تدفع سلطات الاحتلال بخطة ضمّ متسارعة تبدو وكأنها الحرب الأكثر حسماً في مستقبل الصراع العربي الصهيوني ... إذ تستثمر الحكومة الصهيونية الانشغال الدولي بحرب غزة ومآسيها الانسانية لترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية بهدوءٍ استراتيجي وصمت وخبث ، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن اللحظة الراهنة هي نافذة تاريخية لتغيير قواعد الصراع وفرض امر واقع جديد يهدف الى إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية ومنع قيام الدولة الفلسطينية نهائيًا.
ومنذ لحظة احتلال قطاع غزة والضفة الغربية عام 1967 ، لم يكن الأمن الصهيوني مجرد ذريعة عسكرية لاحتلال مؤقت، بل تحوّل إلى منظور بنيوي تُعاد من خلاله صياغة الجغرافيا والسيادة… فإسرائيل تسيطر فعلياً اليوم على أكثر من %50من مساحة قطاع غزة واكثر من %60 من مساحة الضفة الغربية. وهذه السيطرة تُدار بآليات أمنية تضمن استمرار الاحتلال، وتمنع قيام كيان فلسطيني متصل جغرافيًا أو سياديًا.
لقد وجدت دولة الاحتلال نفسها أمام معضلة جيوستراتيجية حاد ة بعد حرب 1967، فحدودها قبل الحرب كانت ضيقة، إذ لم يتجاوز عرضها في بعض المناطق 14 كيلومترًا بين البحر المتوسط والضفة الغربية. ومن هذا المنطلق، تبنّت القيادة العسكرية نظرية " العمق الاستراتيجي"، معتبرةً أن الاحتفاظ بالضفة الغربية يشكل درعًا طبيعيًا ضد أي تهديد قادم من الشرق.
ولقد تجسدت هذه الرؤية في خطة "آلون " (1967)، التي دعت إلى إبقاء السيطرة الصهيونية على غور الأردن كمنطقة أمنية عازلة ، والسماح للفلسطينيين بإدارة جيوب سكانية صغيرة فقط غرب غور الاردن
. ورغم تغيّر الحكومات الصهيونية ظلّت هذه الخطة تمثل الركيزة الثابتة في العقيدة الأمنية الصهيونية: لا انسحاب من المناطق ذات القيمة الأمنية والجغرافية العالية مهما كان الثمن.
و في عام 1983 ، جاء الأمر العسكري رقم 50 ليؤسس شبكة طرق استراتيجية تربط المستوطنات بالمدن الإسرائيلية وتعزل التجمعات الفلسطينية. بينما جاءت خطة " مشروع شارون" أو ما يعرف بـ"قضية النجوم " في التسعينات لتوسيع المستوطنات المحيطة بالقدس وإزالة الحدود بين " الخط الأخضر" والمناطق المحتلة.
إذن لم تعد المستوطنات مجرد تجسيد لأيديولوجيا " أرض الميعاد"، بل أصبحت خطوط دفاع متقدمة في بنية الأمن القومي الصهيوني لذلك تعمدت حكومات الاحتلال المتعاقبة إنشاء مستوطنات ضخمة على المرتفعات الشرقية والغربية للضفة مثل "آريئيل" و" معاليه أدوميم "، لتعمل كـ"حواجز طبيعية" تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض. ....... وهذه الاستراتيجية لم تؤدي فقط إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويلها إلى جزر سكانية محاصرة ، بل أسست لمنظومة أمنية ميدانية متكاملة كبديل عن الوجود العسكري الصهيوني المباشر.
فلقد اقامت دولة الاحتلال نحو %80 من المستوطنات في مواقع جغرافية مرتفعة تمنحها قدرة مراقبة شاملة لتحركات الفلسطينيين من الشمال إلى الجنوب وهذه هي عقيدة اليهود في اختيار المناطق العالية وبناء (الكانتونات والجيتوهات) المغلقة حتى لا يتعاملوا مع الغرباء ولا يصل لهم الغرباء ولقد تطورت العقيدة الصهيونية مع بداية سنة 2000 وذلك بسبب الازدياد السكاني لعدد الفلسطينيين داخل الارض المحتلة فاصبح "الامن الديمغرافي " مصطلح متداول في الاوساط الصهيونية واصبح الجدار العازل ضرورة امنية وذريعة لابتلاع الاراضي الفلسطينية بحجة حماية الامن الصهيوني ..
نعم لقد تغيّر تعريف " التهديد " داخل المؤسسة الأمنية الصهيونية؛ فلم يعد الخطر الرئيسي متمثلاً في الجيوش العربية، بل في التحوّل الديموغرافي الفلسطيني الذي سوف يُفقد "دولة الاحتلال" تفوقها العددي داخل الأرض المحتلة والتي من المفترض ان تكون اراضي الدولة اليهودية الخالصة كما اعلنها رئيس وزرائهم " اسرائيل الكبرى".
ومن هنا وُلد مفهوم "الأمن الديموغرافي"، الذي يقوم على السيطرة على الأرض دون ضم السكان، أي احتلال الأرض وتقليل عدد السكان الفلسطينيين بالقتل او دفعهم الى الهجرة بسياسة التضييق الاقتصادي والحواجز والبوابات والاعتقال والاقتحام والقمع وهدم البيوت والمزارع واقتلاع الاشجار
ولقد شكّل جدار الفصل العنصري عام 2002 ذروة هذا التحول: جدار اسمنتي مرتفع يفصل الكتل الاستيطانية الكبرى عن التجمعات الفلسطينية، ويُبقي نحو 85 % من المستوطنين داخل ما يسميه الاحتلال "المنطقة الآمنة".
ولكن الجدار المعلون هذا تجاوز غايته الأمنية المعلنة ليصبح أداة سياسية ترسّخ الضمّ الجغرافي الفعلي وتفرض واقع حدودي جديد.ومع تصاعد التهديدات من غزة ولبنان، أعادت "دولة الاحتلال" تعريف الضفة الغربية باعتبارها جبهة الأمن الداخلي؛ أي المنطقة التي لا يمكن فقدان السيطرة عليها؛ لأنها تمثل " قلب الدولة " من حيث الجغرافيا والسكان. من منظور الجيش الإسرائيلي، وبالتالي فإن الانسحاب من الضفة يعني ترك وسط "الدولة" مكشوفًا، بل جعل "تل أبيب" نفسها على مرمى نيران قصيرة المدى في المستقبل. ولذلك، تُصرّ المؤسسة العسكرية على الاحتفاظ بسيطرة كاملة على غور الأردن بوصفه الحزام الأمني الشرقي، وسيطرة كاملة على المرتفعات الوسطى كنقاط مراقبة مركزية.
إضافة إلى المعابر والحدود التي تُعد أدوات أساسية للتحكم في الحركة والاقتصاد الفلسطيني….
ومع تصاعد نفوذ اليمين المتطرف، دخلت خطة الضم مرحلة جديدة تُعرف بـ "عسكرة الاستيطان"، حيث سمحت حكومة بنيامين نتنياهو بتسليح المستوطنين وتشكيل ميليشيات محلية تحت إشراف وزارة الأمن القومي التي يقودها المتطرف المعتوه بن غفير... وهكذا تحولت المستوطنات إلى وحدات دفاعية ميدانية ، والمستوطن إلى "جندي مدني" في خدمة المشروع القومي الصهيوني. وهذه السياسة رسّخت مبدأ أن الأمن لا يُدار من الجيش فقط، بل من المجتمع الاستيطاني ذاته، وهو ما يعكس تحولًا جذريًا في العلاقة بين الأمن والهوية داخل "الكيان الصهيوني ".
إن حرب الضمّ الصامتة قائمة فعليًا منذ سنوات، لكن "دولة الاحتلال" تسعى اليوم إلى منحها غطاءً قانونياً وسياسياً وإن جوهر البعد الأمني في مشروع الضمّ هو الاستمرارية فالعالم يرى ويظن أن الاحتلال حالة مؤقتة يمكن ان تنتهي بشكل او بآخر، بينما يراه الاحتلال حالة أمنية دائمة ولذلك يقوم بضم مساحات كبيرة من اراضي الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة حتى يتم تثبيت امر واقع خطير جدا على الارض المحتلة بحيث لا يمكن تغيير هذا الامر الواقع مستقبلا ولا يمكن اقامة دولة فلسطينية لأنه لم يتبقى ارض فلسطينية أصلاً لإقامة حتى دويلة فلسطينية وهكذا فإن كل مستوطنة جديدة، وكل طريق التفافي، وكل نقطة تفتيش، ليست تفصيلاً ميدانياً، بل جزء من هندسة استراتيجية استيطانية كبرى تُعيد تعريف معنى الأمن والسيادة والحماية ومنع الارهاب .. وبلغة الارقام : في عام 2025 وحده، ارتفع عدد وحدات البناء المخصصة للتوسع الاستيطاني إلى 2,749 وحدة خلال ستة أسابيع فقط، في مؤشر واضح على أن مشروع " الأمن عبر التوسع" لا يعرف التوقف.
كما، كشفت تقارير فلسطينية أن نحو % 44.5 من مساحة الضفة الغربية باتت تحت سيطرة الإحتلال المباشرة أو غير المباشرة. وتشير بيانات بحثية إلى أن نحو 50 ألف وحدة استيطان ستُعتمد في 2025، وهو رقم يُعدّ أربعة أضعاف العام السابق.
كما تقدّم خطّة وزير المالية الإسرائيلي بتسيلئيل سموتريتش المسؤول عن ملف المستوطنات اقتراحاً لضم نحو %82 من الضفة الغربية، بما يقضي على فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة تقريبًا.
وهكذا، حين تتحدث "دولة الاحتلال" عن الضم، فهي لا تعني مجرد توسيع الحدود، بل تثبيت معادلة وجودية تُلخّص فلسفتها الأمنية منذ نكبة
1967 وهي :
" لا أمن بلا أرض، ولا أرض بلا سيطرة صهيونية كاملة".
وكل ما تقدم يؤدي الى شرعنة سرقة الارض القائمة على البعد السياسي
فمنذ عقود ، يشكل المشروع الاستيطاني أحد أعمدة السياسة الإسرائيلية، ليس فقط باعتباره نشاطًا عمرانياً، بل أداة سياسية تهدف إلى فرض وقائع ميدانية تُفرغ مفهوم "حل الدولتين " من مضمونه. وفي هذا الإطار تنتهج دولة الاحتلال منذ عقود ما يمكن تسميته بـ" الضم الزاحف" أي الضم التدريجي الهادئ الصامت الذي يُنفذ خطوة بخطوة لتفادي ردود الفعل الدولية تماما مثل مرض السرطان الذي يتفشى بصمت ويؤدي للانتكاسة المفاجئة وعدم القدرة على العلاج وهكذا اعتمدت دولة الاحتلال على التوسع الاستيطاني السرطاني لتنفيذ الضم كاستراتيجية غير معلنة .وهذه الاستراتيجية لا تعتمد على إعلانٍ سياسي مباشر، بل على تراكمٍ جغرافي بطيء ، يتمثل في توسّع المستوطنات ، وتغيير طبيعة المناطق المصنفة "ج" ، ودمجها إدارياً ضمن بنية دولة الاحتلال.
فعلى سبيل المثال، شكّلت مستوطنة " معاليه أدوميم " التي تمتد حتى حدود غور الأردن ما يقارب % 10 من مساحة الضفة الغربية، ضمن ما يُعرف بـ "مشروع القدس الكبرى " الذي يهدف إلى فصل القدس عن محيطها الفلسطيني ودمجها جغرافيًا في عمق دولة الاحتلال. أما مستوطنة "آريئيل "، وهي الأكبر في شمال الضفة، فقد تحوّلت إلى حاجز استراتيجي يفصل شمال الضفة الغربية جنين ونابلس) عن وسطها ( رام الله ،
مما يجعل التواصل الجغرافي الفلسطيني شبه مستحيل حاليا بسبب الحواجز والجدار ومستقبلا بسبب وجود سكان مستوطنين يهود بالآلاف لا يمكن اقناعهم بترك بيوت ومدارس استقروا فيها ظلما وعدوانا وسيكون ذلك موضع تفاوض وستضطر أي جهة فلسطينية للتنازل عن ارض مقابل ازالة حاجز او ارض اخرى.
اما الموقف الأمريكي: فهو يوافق ضمنيا بل هو شريك متواطئ :
ف.في تموز / يوليو 2025، صوّت الكنيست على قرار يطالب بضمّ الأراضي المعروفة توراتياً بـ "يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وفي شهر أكتوبر/ تشرين أول 2025، أقرّ كنيست الإحتلال ، قراءة أولى لمشروع قانون يوسّع سيادة الدولة على نحو أكثر من 60 ٪ من الأرض التي تحكمها سياسة الاحتلال منذ عام 1967.وهذه المصادقة على قانون ضم الضفة الغربية بالتزامن مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي دي فانس لـ "تل أبيب" لم تكن مصادفة، بل رسالة بأن الضم مشروع "إجماع وطني صهيوني " مدعوم أمريكياً. وهذه المصادقة خطوة محسوبة ورسالة دقيقة تعكس التوافق و تقاطع المصالح بين الائتلاف الحاكم حاليا والمعارضة داخل " دولة الاحتلال".
فاليمين الصهيوني المتطرف استخدم لحظة الضم لإظهار أن أي اعتراض أمريكي قد يُفسّر كصدام بين "أكبر ديمقراطيتين في العالم "؛ للتأثير على الرأي العام الأمريكي. ومن الواضح ان الإدارة الأمريكية الحالية لا ترفض الضم من حيث الجوهر، بل من حيث التوقيت ، إذ تعتبر أن تأجيل الإعلان يخدم أولوياتها في التهدئة الإقليمية وتهيئة المناخ لـ "لتطبيع الإقليمي الموسع".
بمعنى آخر، فإن الخلاف بين واشنطن و تل أبيب تكتيكي لا استراتيجي: وكلا الطرفين يتبنيان الرؤية ذاتها تجاه مستقبل الضفة الغربية ، لكنهما يختلفان في التوقيت وطبيعة الإعلان،
إن " دولة الاحتلال" تدرك تماماً أن الشرعية الأمريكية بالنسبة لها أثمن من أي شرعية دولية، لذلك تُوازن خطواتها بين التوسع الميداني الصامت والحفاظ على الغطاء السياسي الأمريكي الذي يمنحها حصانة في مواجهة المجتمع الدولي وبذلك يترسخ المبدأ الاستراتيجي الصهيوني". التوسع أولاً والتفاوض لاحقاً " وفي قراءة عميقة لهذا المبدأ الاستراتيجي الخطير، لا يمكن النظر إلى حرب الضم في الضفة الغربية باعتبارها رد فعل ظرفيّ أو مناورة انتخابية، بل هو تحول استراتيجي طويل المدى يعيد صياغة بنية الصراع العربي الصهيوني.
فمنذ "خطة آلون" عام 1967 وحتى"صفقة القرن" في 2020 ، حافظت "دولة الاحتلال" على منهجيتها الثابتة: (( التوسع أولاً ، والتفاوض لاحقاً، ))
وهذا الضمّ بالنسبة لليمين الإسرائيلي المتطرف هو إعلان وفاة رسمي لفكرة الدولة الفلسطينية. أما بالنسبة للولايات المتحدة فهو ورقة ضغط إقليمية مؤجلة تُستخدم حين تنضج اللحظة السياسية المناسبة لإعادة صياغة "التسوية النهائية" وفق الرؤية الأمريكية -الصهيونية المشتركة.
إن البعد السياسي لخطة الضم في جوهره، يعكس تحول "دولة الاحتلال" من دولة تبحث عن أمنها إلى دولة تسعى لشرعنة توسعها الاستيطاني
فبينما يُقدَّم الضم بوصفه "استجابة للأمن قومي"، تكشف السياسات الميدانية أنه أداة لإلغاء الكينونة الفلسطينية سياسيًا وجغرافياً
.روبين الخطاب الأمريكي عن "السلام الإقليمي" والخطاب الصهيوني" عن "الحق التاريخي"، تتلاشى تدريجياً فكرة الحل السياسي، (( حل الدولتين)) لصالح واقعٍ جديد عنوانه:
سيادة بلا حدود، واحتلال بلا نهاية.
ورغم انخراط السلطة الفلسطينية في مسار التسوية منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، الذي اقيم على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، استمرت "دولة الاحتلال" في توسيع المستوطنات بلا توقف وتجاهلت كل القرارات الدولية وعلى رأسها؛ قرار مجلس الأمن 242 الذي يرفض الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بالقوة.
واليوم، ومع تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية حاجز الـ 700 ألف، يبدو بوضوح أن المشروع الاستيطاني لم يعد عائقاً مؤقتاً، بل تحول إلى سياسة صهيونية بنيوية تهدف إلى تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وهو ما يهدد بإدامة الصراع ونسف أي أفق لحل سياسي عادل ودائم.
لقد ظلّ القانون الدولي (( الأعرج مزدوج المعايير )) وعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، يشكّل أحد أهم الأسس التي استندت إليها المنظومة الدولية في متابعة الصراع العربي- الصهيوني. وهذا البعد القانوني مزدوج المعايير ادى الى شرعنة الاحتلال بالقوة حيث تعدُّ المستوطنات في الضفة الغربية وشرق القدس، وبنصّ اتفاقيات جنيف الرابعة، خرقًا صريحًا للقانون الدولي الذي يحظر على دولة الاحتلال نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة أو مصادرة مواردها
ورغم هذا الوضوح القانوني والإجماع الدولي الراسخ، تستمر دولة الاحتلال في فرض واقع ميداني يناقض كل القرارات الدولية، مستخدمة خليطاً من الأدوات والذرائع السياسية والاحكام القانونية الظالمة لشرعنة احتلالها الزاحف.
وهذا التناقض بين الشرعية القانونية الدولية ومنطق القوة بات يمثل أحد أبرز مظاهر تآكل النظام الدولي القائم على القانون الدولي مزدوج المعايير، ويكشف عن تحوّل في طبيعة الصراع من نزاع على الأرض إلى نزاع على تعريف الشرعية ذاتها. فالقانون الدولي الإنساني يؤكد، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، أن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 هي أراضي محتلة بالقوة لا يجوز المساس بوضعها القانوني، ولا يحق لدولة الاحتلال نقل سكان مستوطنين إليها أو مصادرتها تحت أي ذريعة.
إذن.. كافة قرارات الشرعية الدولية أقرت بتحريم إنشاء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي المحتلة عام 1967 .وهذه القرارات تستند إلى منظومات قانونية متكاملة مثل معاهدة لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة، التي تؤكد صراحة أن الاحتلال لا يمنح المحتل أي حق في تملك الأرض أو تغيير طبيعتها الديموغرافية
كمان إن قرار مجلس الأمن رقم (2334) الصادر أواخر عام 2016 جاء ليعيد التأكيد على هذا المبدأ.ويعتبر الأنشطة الاستيطانية "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي"، مشدداً على رفض الأمم المتحدة كافة أشكال الضم ، سواءً في الضفة الغربية أو القدس الشرقية او قطاع غزة.
لكن "دولة الاحتلال"، طوّرت منظومة قانونية هجينة تمكّنها من تجاوز الالتزامات الدولية دون إعلان صريح بذلك. فهي "تستخدم مزيجاً من القوانين العثمانية والبريطانية والأردنية، إلى جانب أوامرها العسكرية الخاصة، لتبرير السيطرة على الأراضي الفلسطينية"،.وتقوم هذه المنظومة على منطق بسيط لكنه فعّال وهو:
تحويل القانون الدولي والصهيوني إلى أداة استعمارية توسعية
بدل أن يكون قيداً على سلطة الاحتلال
إن المشرع الصهيوني يعتبر ان الضفة الغربية ليست "أراضي محتلة"، بل "أراضي بلا سيادة" أو "في حالة فراغ قانوني"، ما يتيح لدولة الاحتلال - من منظورها- ممارسة صلاحياتها كدولة قائمة بإدارة الأرض لا كقوة احتلال. وهذا الخطاب القانوني تطوّر ليصبح جزءاً من السردية الصهيونية الجديدة، التي تصف الضفة الغربية بأنها " يهودا والسامرة " جزء من أرض إسرائيل التاريخية التي استُعيدت بعد غياب قسري لليهود في العالم بعيدا عن ارض الميعاد وفقا للتوراة المزورة... وتشير هذه السردية المزيفة إلى أن الفلسطينيين سكان طارئون يمكنهم البقاء فقط في مناطق معزولة لا تمتلك مقومات الدولة أو الاستقلال لذلك.انتقلت " دولة الاحتلال في السنوات الأخيرة " من مرحلة الالتفاف القانوني إلى مرحلة فرض الأمر الواقع. فقد أقرّ الكنيست قوانين تمهّد لضم المستوطنات رسمياً، معتبراً أن أي تشريع يصدر عن الكنيست هو "المرجعية القانونية العليا" ، خصوصاً مع الغطاء السياسي الذي توفره الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، كشف رئيس مجلس المستوطنات الأعلى أنه طالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإعلان ضمّ المنطقة" ج " فوراً لكن نتنياهو أجابه بأن الظروف السياسية لم تنضج بعد ، داعياً إلى الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة بانتظار اللحظة المناسبة لإعلان الضم الكامل للضفة الغربية والقدس وهذه السياسة تُترجم على الأرض عبر أدوار متكاملة لوزراء الحكومة المتطرفة فالوزير .سموترتش يشرف على تمويل مشاريع التوسّع الاستيطاني، بينما يعمل بن غفيرعلى تسليح المستوطنين وتوفير الحماية الميدانية لهم.
وتبرز نتائج هذه السياسة في شمال القدس، حيث أقدمت سلطات الاحتلال على ضم أراضٍ واسعة من قرى النبي صمويل وقرى الجيب وقطنة ، بما يشمل المساكن دون سكانها. إذ يُسمح للفلسطينيين هناك بالوصول إلى بيوتهم فقط، من دون أي حقوق إقامة أو خدمات مدنية، ما يجعلهم عملياً "سكاناً بلا أرض" داخل منطقة ضُمت قسراً إلى حدود "القدس الكبرى".
وكما قلت سابقا اعود واؤكد أن التجربة الفلسطينية في السنوات الأخيرة كشفت أن الصراع مع الاحتلال لم يعد صراعًا حول الأرض فحسب، بل صراع حول تعريف الشرعية الدولية ذاتها.
فبينما تستند فلسطين إلى النصوص القانونية وقرارات الأمم المتحدة، تعتمد " دولة الاحتلال" على "شرعية القوة" و "قوة الشرعية" ، أي قدرتها على فرض تفسيرها الخاص للقانون الدولي بدعم سياسي امريكي و غربي.
و استمرار هذا النهج الصهيوني يهدد منظومة القانون الدولي برمّتها، حيث سيمنح الاحتلال شرعية دولية خصوصا إذا كان مدعومًا بالقوة الامريكية، وستتراجع العدالة الدولية حين يفقد القانون الدولي أدوات التنفيذ.
وبذلك، لا يعود السؤال حول مستقبل الدولة الفلسطينية فحسب، بل حول مستقبل النظام الدولي ذاته فهل يمكن للقانون الدولي أن يظلّ مرجعية للعدالة في عالم تُعيد فيه " دولة الاحتلال" - ومعها قوى أخرى مشابهة لها وداعمة لها - تعريف معنى الشرعية الدولية وفق مصالحها الخاصة وموازين القوى الدولية ؟.
البعد الديني والتاريخي :
ختاما فإننا لا يمكن أن نفهم حرب الضمّ القائمة في الضفة الغربية والقدس وغزة حاليا دون إدراك البعد الأيديولوجي الذي يمنح الاحتلال الصهيوني غطاءً دينيًا، ففي الرواية الصهيونية، ترتبط السيطرة على "يهودا والسامرة وهو الاسم التوراتي للضفة بب "الحق الإلهي" في أرض الميعاد. ويستند الصهاينة في ذلك إلى روايات توراتية تعتبر مدنًا مثل القدس والخليل وبيت لحم قلب " أرض الميعاد"، حيث يُصوَّر الوجود الصهيوني هناك كاستمرارية تاريخية علما أن الصهيونية لم تكن منذ نشأتها حركة دينية، بل كانت ولا تزال علمانية ذات أهداف استعمارية واقتصادية وديمغرافية .
لكن الحركة الصهيونية استخدمت الدين كوسيلة لتبرير السيطرة على الأراضي الفلسطينية.وهذا التحول في الخطاب الصهيوني من السياسي إلى الديني تزايد مع صعود نفوذ الأحزاب الدينية داخل "دولة الاحتلال" ومحاولة اليمين كسب تأييد التيارات المسيحية الإنجيلية في الغرب خصوصا الولايات المتحدة (البروتستانتية)
و هذا التداخل بين الدين والسياسة يُنتج خطابًا مزدوجاً داخلياً، لحشد الشارع الصهيوني حول فكرة أن ضم الضفة الغربية والقدس هو تطبيق لإرادة إلهية.
بينما خارجياً، يتم تسويق المشروع الصهيوني بوصفه تجسيداً لنبوءة دينية تتناغم مع معتقدات جمهور المحافظين الغربيين، خصوصاً في الولايات المتحدة كما قلت. وهذه الرواية الدينية تتجاوز كونها موروثاً ثقافياً إلى كونها أداة تعبئة سياسية؛ فالتيار الديني القومي داخل دولة الاحتلال يرى في الضفة الغربية أرضاً مقدسة، والسيطرة عليها واجباً عقائدياً يجب توريثه لكل اطفال وجنود اليهود وتنفيذ ذلك لإرضاء الرب وهذا التحول في بنية الخطاب جعل الصراع في جوهره عقائد ياً ووجودياً لا سياسياً
فـس "سلطات الاحتلال" لم تعد تتحدث عن حدود أو تفاوض أو أمن، بل عن حق تاريخي وديني في الأرض ، وبهذا، يتراجع منطق "حل الدولتين " أمام سردية تتعامل مع الجغرافيا باعتبارها عقيدة لا يمكن ان تكون موضوع تفاوض. والنتيجة: أن الاحتلال اكتسب غطاءً أيديولوجياً يصعب تفكيكه بالمفاوضات أو الضغط الدبلوماسي؛ لأن ما يُقدَّم على أنه " أمن قومي" يُعاد إنتاجه في الوعي الصهيوني كـ "قدر تاريخي"،
أما في ميداياً ، فيتم ترجمة هذه العقيدة إلى خطوات ملموسة مثل: إعادة تسمية المستوطنات بأسماء توراتية، وإنشاء متاحف ومراكز دينية في مناطق حساسة مثل القدس والخليل، لتثبيت الهوية اليهودية على الأرض.
, وهذه الممارسات ليست مجرد أدوات رمزية، بل إعادة هندسة للذاكرة المكانية تهدف إلى محو الرواية الفلسطينية واستبدالها بسردية دينية تمنح الوجود الصهيوني طابعاً "أبدياً".
ومع مضيّ "الإحتلال" في فرض الوقائع على الأرض، يظهر واضحا أن الضمّ لم يعد مجرد سياسة توسعية، بل تحوّل إلى استراتيجية وجودية تُعيد تعريف معنى الدولة والحدود والسيادة في الشرق الأوسط.
ان ما يجري في الضفة الغربية ليس توسعًا جغرافيًا فحسب، بل إعادة هندسة للمنطقة العربية بأكملها تحت لافتة الأمن والتاريخ والدين.
وفي ظلّ انكفاء الإرادة الدولية وانشغال او غياب الارادة العربية والاسلامية يرسم الاحتلال واقعًا أحادياً عنوانه: سيادة بلا حدود، واحتلال بلا نهاية وهي نقطة اللاعودة الى ما قبل عام 2000 وذلك للتهرب من كل استحقاقات اوسلو رغم هشاشتها بالنسبة للشعب الفلسطيني لكننا وكما يقول المثل
( رضينا بالهم والهم مش راضي فينا ) ...
فالشعب الفلسطيني تم احتلال ارضه كاملة من البحر الى النهر سنة النكبة 1948 واضطرت منظمة التحرير الفلسطينية في اتفاقية اوسلو الى القبول بحدود النكسة 1967 لكن الاحتلال الصهيوني يستكثر على شعبنا هذا الجزء البسيط من الاراضي الفلسطينية المحتلة
وبينما تتحدث العواصم العربية والاوروبية والاسلامية عن "حل الدولتين" ، تُكرّس "دولة الاحتلال" على الأرض واقعا استيطانيا توسعيا يجعل من ضم الضفة الغربية نقطة اللاعودة في مسار الصراع الفلسطيني – الصهيوني
لقد كان هذا التقرير لمحة للتنبيه وطرقة على جدران خزان الصمت العالمي لعلهم ينتبهوا الى هذه الحرب الصامتة الخطيرة التي لا يركز عليها الاعلام العربي ولا العالمي والتي يقوم تلفزيون فلسطين بتقديم تقارير كاملة تفصيلية عنها بشكل مهني وموثق ودقيق جدا لكن لا يتناقل ذلك الجهد الاعلامي المحلي الفلسطيني أي جهات اعلامية ذات صيت دولي
ارجو من الجميع متابعة هذا الامر والالتفات الى هذا الجانب الخطير من جوانب الصراع العربي الصهيوني وانا اقول العربي الصهيوني وليس الفلسطيني الصهيوني لأن دول الاحتلال تعادي كل العرب وتخطط لاحتلال بلاد العرب كلها عبر بوابات التطبيع والديانة الابراهيمية والتسلل الاقتصادي
الاحتلال الصهيوني وفقا للتوراة يعتبر العرب "غوييم " بمعنى خدم وعبيد لابناء الرب وهم اليهود شعب الله المختار كما يقولوا في ديانتهم وهكذا يتربى ابناؤهم في المدارس ورياض الاطفال والمؤسسات .. فالعنصرية والحقد على كل من هو عربي وكل من هو غير يهودي هي اساس من اسس العقيدة الصهيونية ويجب ان ندرك ذلك وان لا نثق بالاحتلال مطلقا وان نتعامل مع أي مبادرة او مقترح صهيوني بحذر شديد وتركيز وذكاء وإلا فإن مستقبل الشرق الاوسط كله سيكون مظلم اكثر مما تتخيلوا
اللهم هل بلغت .. اللهم فاشهد
